كريمة... رحلة العذاب والنجاة من المعتقل الإسرائيلي
كريمة تروي مأساتها: تفاصيل مؤلمة لاعتقال قاسٍ في سجون الاحتلال الإسرائيلي
رغم مرور أشهر على الحادثة، ما زالت كريمة (26 عامًا)، من سكان مخيم البريج وسط قطاع غزة، تستذكر بحسرة وألم اللحظات الأولى لاقتحام جيش الاحتلال الإسرائيلي مدرسة بنات البريج الإعدادية، حيث اعتُقلت مع عشرات النازحين والنازحات الذين احتموا داخل المدرسة.
تقول كريمة: "لن أنسى ذلك الصباح المظلم، يوم الخميس 28 ديسمبر/كانون الأول 2023، عندما علا صوت دبابات جيش الاحتلال، وترددت أوامر الجنود عبر مكبرات الصوت".
كانت الساعة تقارب السابعة صباحًا، حين أُجبر الشبان على الخروج شبه عراة، لا يرتدون سوى الملابس الداخلية، من بوابة المدرسة الجنوبية، وهم يحملون هوياتهم. وبعدها جاء دور النساء.
"وقفت في الطابور أرفع هويتي، فتوجه نحوي أحد الجنود قائلاً: (اطلعي عن السطر، اتركي حقيبتك وخذي الهوية)".
تتابع كريمة: "كانت صدمتي عظيمة حين رأيت الأرض أمامي جرداء؛ فقد جرّفوا كل الأراضي الزراعية بما فيها أشجار الزيتون التي يفوق عمرها عمر احتلالهم. صنعوا تلالًا ترابية، وعلى كل تلة دبابة تصوب فوهتها نحونا. أمرني الجندي بالوقوف على إحدى التلال، ثم نادت مجندة اسمي الرباعي. سرت خلف المدرسة باتجاه أرض أبو مدين، وشعرت كأنني أمشي نحو الموت. عندما سألت المجندة عن وجهتنا قالت: (سنأخذكِ إلى إسرائيل)، ثم صمتت. حينها أحسست أن القيامة قد قامت."
تروي كريمة: "صعدنا إلى شاحنة، وما زلت في حالة ذهول. خلع أحد الجنود نظارتي وربط عينيّ بعصابة برتقالية، وقيّد يديّ خلف ظهري بأربطة بلاستيكية مؤلمة. حاولت التخفيف من الألم فاشتدت القيود أكثر. مع أذان المغرب تجاوزنا حدود غزة، وهناك أخذوا هوياتنا وكبلوا أيدينا مجددًا من الأمام، ووضعوا على صدورنا بطاقات تحمل أرقامًا."
تصف رحلتها القاسية: "صعدنا إلى حافلة، وكان ممنوعًا رفع رؤوسنا. من يرفع رأسه يُضرب. حاولت رفعه قليلًا فأمسكتني مجندة بعنف ودفعته نحو ركبتي. في كل محطة كنا نتعرض للتفتيش والضرب بأعقاب البنادق."
تواصل: "وصلنا إلى معتقل يُسمّى بالعربية (عناتا) وبالعبرية (عناتود)، يُقال إنه يقع على أطراف القدس. أجلسونا على الحصى البارد ساعتين دون السماح لنا بالاستناد. من شدة البرد أصبت بخدر في أطرافي. وحين لم أستطع الجلوس كما يريدون، ركلني ضابط وهو يصرخ: (اقعدي عدل!)."
ثم بدأت إجراءات التفتيش العاري المهين. "طلبوا مني خلع ملابسي عدا الداخلية، وفتشوني بأجهزة إلكترونية ولمس مباشر. صادرت المجندة عقدًا فضيًا على شكل علم فلسطين وحنظلة، ومبلغًا ماليًا بنحو ألف شيكل، وقّعت بعدها على ورقة الأمانات، ثم أرسلوني إلى الطبيب للاستجواب حول حالتي الصحية."
تصف كريمة السجن: "كان المكان أشبه بمزرعة حيوانات، مساحتها نحو 200 متر، جدرانها وسقفها من الزينكو، والإضاءة شديدة. الحمّام سيئ والرائحة كريهة، والمياه ملوثة بالمجاري. أصبت بتسوس في أسناني بسببها. في الليل، كانوا يوقظوننا عمدًا، يرفعون صوت المذياع بالأغاني العبرية، ويمنعوننا من النوم."
أما الطعام، فتقول: "كان يُقدَّم بشكل مهين؛ ملعقة لبن وقطعة خبز لكل وجبة، نأكلها وأيدينا مكبلة. الأواني بلاستيكية، والسكر والملح والسكاكين ممنوعة."
تتابع: "خضعت للتحقيق مرتين، وكانت الأسئلة تدور حول يوم 7 أكتوبر. في 3 يناير/كانون الثاني 2024، أُجبرنا على السير ساعة كاملة مكبّلات، حتى ازرّقت أقدامنا. بعد 11 يومًا من العذاب، نُقلت إلى سجن (الدامون) على جبل الكرمل في حيفا، حيث تكررت الإهانات والتفتيش العاري."
تضيف: "نتيجة الضرب المتكرر والتكبيل الطويل، أصبت بضغط في فقرات الرقبة. العذاب النفسي كان أقسى، خصوصًا في القسم 4 المعزول. كانوا يطفئون ويشعلون الأنوار عمدًا، ويطلقون الكلاب لإخافتنا. كنت أرتبك من الضوء بعد الإفراج، لكنني تجاوزت ذلك لاحقًا."
عن لحظة الحرية تقول: "في 7 فبراير/شباط 2024، أُبلغت بالإفراج بعد 45 يومًا من الاعتقال. خضعت لنفس إجراءات التفتيش المهينة، ثم نُقلنا إلى سجن بيت طيما، حيث واجهنا القذارة والبرد الشديد. وبعد ساعات من الانتظار والقيود المؤلمة، أوصلونا إلى معبر كرم أبو سالم، وهناك فُكّت قيودنا تحت تهديد السلاح."
تختتم كريمة حديثها:
"نقلنا الصليب الأحمر إلى الجانب الفلسطيني. علمت أن عائلتي بخير في البريج، لكنني قضيت ليلتي الأولى في مدرسة الطائف برفح. وفي صباح الخميس 8 فبراير 2024، عند التاسعة والنصف، احتضنت عائلتي من جديد وتنسمت هواء الحرية."