Please ensure Javascript is enabled for purposes of website accessibility
en

فقدت جنينها مرتين!

calendar_month التاريخ:30/11/-0001

زُفّت نادرة، الفتاة ذات الواحد والعشرين ربيعًا، إلى زوجها بأبهى حلة، عروسًا تفيض أناقة وجمالًا. كان حفل زفافها حدثًا مميزًا، تناقلته الألسن في أحاديث الإعجاب. دخلت نادرة حياة جديدة، ترتب أحلامها وتزين بيت الزوجية بأمل مشرق، حتى كان يوم الرابع من أكتوبر 2023، حين أغلقت باب بيتها لأول مرة كزوجة لرجل اختاره قلبها.

لكن فرحتها لم تدم طويلًا؛ فما إن انقضت ستة أيام من شهر العسل، حتى باغتتها المأساة. ففي العاشر من أكتوبر، قصفت طائرات الاحتلال الإسرائيلي منزلها، لتختلط ألوان فرحها بدماء الحزن، ويغرق فستانها الأبيض بدماء الظلم.

تقول نادرة: "كنت وزوجي في المطبخ، نحضّر طعام الغداء بعد صلاة الظهر، والسعادة تملؤ قلوبنا، والضحكات لا تفارق وجوهنا. نحن نعيش في شقة بالطابق الأول في منزل عائلته. فجأة، تطاير زجاج شباك المطبخ في وجهنا، والكثير من الشظايا الحارقة، ودوّى انفجار ضخم وانعدمت الرؤية بسبب الغبار والدخان الكثيف المتصاعد مع ألسنة اللهب. أصبت أنا وزوجي إصابات في الرأس والوجه والأيدي. وحين أُسعفنا، بدأنا نستوعب ما حدث، وعلمنا أن جيش الاحتلال قصف منزل أخته المجاور لمنزلنا، فاستُشهدت فيه هي وزوجها وكل عائلتها، بعد أن حول الصاروخ منزلها إلى تراب وركام، ولم يبقَ فيه حجر على حجر، حتى إن الجثث كانت متفحمة ومقطعة لأشلاء".

"في لحظة خروجنا من المنزل، وجد زوجي جثة متفحمة لابنةِ أخته الصغيرة حلا (7 أعوام) ملقاة على رخام المطبخ في الطابق الأرضيّ. وعندما حملونا إلى سيّارة الإسعاف، وجدنا جثّة ابنة أخته الثانية بلا رأس، بجانب جثمان لطفل آخر كان يمرُّ في الشارع لحظة القصف. كانت الصدمة قاسية جدًا على زوجي، ووقعها على نفسه لا يتحمله جبل".

في المستشفى، عمل الأطباء على خياطة جراح نادرة، خاصة تلك العميقة التي أصابت رأسها، بينما قدّموا العلاج اللازم لزوجها. وعقب خروجهما، توجهت نادرة إلى منزل عائلتها، في حين عاد زوجها إلى بيت أهله الذين غرقوا في حالة نفسية مأساوية، بسبب فقدانهم لأحبائهم. انقلبت حياتهم من هدوء وطمأنينة إلى حزن وألم لا ينقطع، بعدما كانوا يعيشون حياة بسيطة يعتمدون فيها على مصدر رزقهم من مزرعة لتربية العجول في مدينة رفح جنوب قطاع غزة، حيث كان يعمل محمد، زوج نادرة.

تروي نادرة قائلة: "عانيت لمدة ثلاثة أشهر من آلام ومضاعفات الإصابة. بعد خروجنا من المستشفى، انتقلت إلى منزل أهلي في مخيم يبنا جنوب مدينة رفح. من أصعب اللحظات التي مررت بها كانت عدم قدرتي على غسل شعري بسبب الغرز، حيث كان شعري مليئًا بالدماء والجروح المتحجرة. بعد شهر، انضم إليّ زوجي، وأقمنا في منزل أهلي لمدة تقارب السبعة أشهر. أما عائلة زوجي، فقد نزحت إلى منزل عمه في منطقة الجنينة، بعدما أبلغنا المهندسون بأن منزلنا أصبح غير صالح للسكن وآيلاً للسقوط في أي لحظة".

بكل أسى، تتحدث نادرة والدموع تفيض من عينيها، فهي من أوائل العائلات التي أصابتها الإبادة، وعانت التدمير والتشريد. لم تنعم بحياتها الزوجية سوى بضعة أيام، قبل أن تتحول أيامها إلى سلسلة من المآسي والعذابات المستمرة.

تقول نادرة: "أخبرونا أن منطقتنا بأكملها أصبحت رمادًا، فقد مسحها جيش الاحتلال من الخارطة، ودمر كل شيء فيها. منزلي، الذي لم أذق فيه طعم السعادة سوى لأسبوع واحد فقط، مُحي ودُمر بالكامل. أتذكر أنني اشتريت فستانًا وردي اللون لأحتفل بأسبوع زواجي، ولم أرتديه أبدًا ولم يلامس جسدي. حتى العطر الذي أهداني إياه زوجي لهذه المناسبة لم أستمتع بشمه. تحولت حياتي إلى سواد قاتم، وأفراحنا تحولت إلى مآتم وأحزان. لقد نسيت حتى شكل جهاز عرسي".

في شهر كانون الأول/يناير 2024، حملت نادرة بطفلها الأول. وفي شهر أبريل، نزحت من رفح هي وزوجها وأهلها، متجهين إلى مخيم المغازي وسط قطاع غزة، بعد تصاعد التهديدات الإسرائيلية باقتراب اجتياح رفح.

تروي نادرة: "بعد أقل من شهر، اتصل والد زوجي به وطلب منه العودة إلى رفح، إلى منطقة تل السلطان التي لم تكن قد وصلتها أوامر الإخلاء بعد. فعلًا عدنا إلى السلطان، وكنت حاملاً في شهري الخامس. خلال شهور حملي، كانت حياتي مليئة بالمجازر والأشلاء والقصف، وكنت أشم ريحة البارود بكثرة، إضافة لخوفي المستمر".

وتضيف: "كنت سعيدة بحملي، وأعد الأيام التي سأحضن فيها طفلي. كان من المفترض أن يولد في  25 أيار/مايو. ذهبت لطبيب خاص في تل السلطان، وأخبرني أن الجنين ميت منذ شهرين ونصف في رحمي، وعنا كانت الصدمة الكبرى".

"أخبرني الطبيب أن الخوف ورائحة البارود هما السبب، وأن عليّ إجهاض الجنين. وفعلاً ذهبت إلى المستشفى، حيث تمت العملية وسط أجواء من القصف والخوف".

في تشرين الأول/أكتوبر 2024، حملت نادرة مجددًا، لكن الجنين لم يصمد أكثر من شهر هذه المرّة، وأخبرها الأطباء أن سوء التغذية أحد الأسباب الرئيسية.

تختتم نادرة شهادتها وتقول: "وضعنا المادي لا يسمح بشراء المكملات الغذائية، والحرب قتلت بداخلي الأمل أن أصبح أمًا يومًا ما".