هلال غزة
"على جميع المتواجدين في الهلال الأحمر الخروج بالكلسونات والشبشب!"
بهذه العبارة دوّى نداء جيش الاحتلال الإسرائيلي عبر مكبرات الصوت المثبتة على الطائرة المسيّرة "الكواد كابتر" يوم الأحد في شهر رمضان، الموافق 24 مارس/آذار 2024، موجَّهًا إلى النازحين والنازحات المحاصرين داخل مبنى مستشفى الهلال الأحمر الفلسطيني غرب مدينة خان يونس.
كانت سارة، البالغة من العمر 33 عامًا، واحدة من الذين عاشوا لحظات الرعب والاعتداءات المتكررة على المستشفى، والتي لم تستثنِ حتى العاملين فيه.
تقول سارة:
"طلبوا عبر مكبرات الصوت من مدير المستشفى الخروج فورًا، فامتثل للأمر، ثم نادوا على زوجي، المدير الطبي. شعرت بذعرٍ شديد، وارتجف قلبي، فأنا لا أحتمل فكرة الفراق. تساءلت: هل سيعود؟ ماذا سيفعلون به؟ هل سيتعرض للضرب أو الإهانة؟ ودّعني على عجل، سلّمني هاتفه ومحفظته، احتضنني للحظة، ونظر في عيني بصمت، ثم خرج مسرعًا... فلا قانون يلزم الاحتلال، ولا رحمة توقفه".
بعد ثلاث أو أربع ساعات، عاد زوجها، فالتقطت أنفاسها بصعوبة. أخبرهم بأنه أُخذ داخل دبابة، ثم أُعيد مشيًا على الأقدام بعد أن طُلب منه إخلاء المستشفى من النازحين الذين كان عددهم آنذاك نحو 14 ألفًا. أجابهم بأنه لا يستطيع إجبار الناس على المغادرة، لكنه سينقل لهم الرسالة.
استمر الحصار على المستشفى قرابة أربعين يومًا، تخللته قذائف الاحتلال التي استهدفت مباني الهلال الأحمر عدة مرات، ما دفع الناس إلى المغادرة تدريجيًا، تاركين وراءهم طعامًا وشرابًا كان قوت من بقي داخل المستشفى طوال أيام الحصار، إضافة إلى المخزون الاستراتيجي الذي احتفظت به الإدارة.
وفي يوم الخميس، 29 فبراير/شباط 2024، سُمح لإحدى المؤسسات الدولية بزيارة المستشفى أثناء الحصار، حيث تفقدت مخزون السولار والمياه، وجلبت سلالًا غذائية وحقائب نسائية تحتوي على ملابس للصلاة ومستلزمات للنظافة الشخصية.
تقول سارة، التي كانت واحدة من عشرين موظفة في الهلال الأحمر: "كانت تلك الزيارة بمثابة بصيص أمل وسط الظلام".
مع صباح يوم الجمعة، 9 فبراير/شباط 2024، اقتحم الجنود المستشفى مجددًا، ونادوا على زوجها مرة أخرى. هذه المرة استخدموه درعًا بشريًا أثناء اقتحامهم المبنى سيرًا على الأقدام. أمروا الشباب بالانبطاح على الأرض، وعصبوا أعينهم وربطوا أيديهم، ثم أخرجوهم بالقوة والصراخ إلى ساحة المستشفى.
أما النساء، فقد طُلب منهن شدّ ملابسهن على منطقة البطن وذكر أرقام هوياتهن، بينما خضعت بعضهن في الطابق الثاني لتفتيش مُهين باستخدام أجهزة مرّروها على مناطق حساسة من أجسادهن.
لم يكتفِ الجنود بذلك، بل نهبوا الأموال والهواتف والحواسيب الشخصية، واستمر وجودهم حتى الساعة الحادية عشرة ليلًا، ما دفع العديد من الشباب إلى التبول على أنفسهم من شدة القهر النفسي.
تقول سارة: "كان كلما رفع أحدهم رأسه، أُجبر على إنزاله مجددًا... مشهد هدفه الإذلال والتحطيم الكامل".
مرّت الأيام داخل المستشفى، حيث لم يكن هناك سقف للمعاناة، ولا حدٌّ للانتهاكات التي حوّلت المكان من ملجأ للجرحى والمرضى إلى ساحة للإذلال والقهر.
تضيف سارة:
"في يوم الأحد 24/3/2024، اقتحم جيش الاحتلال المستشفى مرة أخرى وطلب من الجميع الخروج. تواصلنا مع الارتباط العسكري والصليب الأحمر، لكن الرد كان تنفيذ أوامر الجيش. طلبنا نصف ساعة لإخراج الشهداء والمصابين، والخروج بالسيارات التابعة للهلال الأحمر وعددها خمس. تحركنا بصعوبة بعد إزالة السواتر الرملية عن إحدى البوابات، لكن بعد ثلاث دقائق فقط، أوقفونا دون سبب. وعندما حلّ الظلام، اضطررنا إلى كسر صيامنا ببعض البسكويت والقليل من الماء، بينما لم يتمكن آخرون حتى من ذلك".
كان زوج سارة، المدير المالي والإداري للمستشفى، إلى جانبها في السيارة. تقول:
"اختاروني أنا وأربعة شباب من طواقم الهلال، واقتادونا إلى مبنى الشؤون الاجتماعية، الذي يبعد خمس دقائق عن المستشفى."
اقتادها جندي إلى غرفة من الزينغو وتركها هناك، ثم سمعت صوت مجندة من الطابق العلوي تخاطبها قائلة:
"اخلعي كل ملابسك، أنا فقط أراكِ، وارتدي ملابس السجن والطاقية."
صُدمت سارة من تلك الكلمات، لكنها امتثلت للأمر. وما إن بدأت بتبديل ملابسها حتى فوجئت بالمجندة تقف أمامها وبجوارها جندي آخر، ناولها رباطًا لليدين وغطاءً للعينين.
قادها الجندي إلى الطابق الأرضي، حيث أزال العصبة عن عينيها، فوجدت أمامها ضابطين للتحقيق. بدأ أحدهما الحديث بنبرة هادئة، لكنه سرعان ما علا صوته، وبدأ يشتمها وينعتها بالوقحة والكاذبة عندما سألها عن السابع من أكتوبر، ومكان تواجدها، وتواجد أفراد المقاومة. أجابته بأنها لا علاقة لها بأي طرف، لكنه أنهى التحقيق بتهديد مباشر قائلًا:
"سنأخذكِ إلى إسرائيل، وهناك ستتذكرين أين يختبئون!"
كانت السيارات محاطة بالقناصة والدبابات، كما استخدم الاحتلال دروعًا بشرية لتصوير من بداخلها وأخذ بصمات العين عبر الهاتف والكاميرا، حتى وجوه الشهداء صُوّرت للتوثيق.
بعد ذلك، نزل أربعة جنود وأعادوا التصوير للتأكيد. وقبل ذلك، أدخلوا درعًا بشريًا إلى المستشفى لتصوير المرافق والتأكد من إخلائها بالكامل.
خرج الجميع من الغرفة، وبقي مجند واحد. أعاد تعصيب عينيها وتركها لمدة ساعة تقريبًا، ثم فتح الباب وجرّها بعنف إلى الطابق الأول، حيث أبقاها واقفة على قدميها ساعة أخرى قبل أن يعيدها إلى غرفة الزينغو.
دخلت المجندة وفكت العصابة عن عينيها، ثم أمرتها بارتداء ملابسها، وأعطتها عمود فسفور وورقة لامعة تضيء في العتمة، وألبستها لباس السجن على كتفيها حتى يتمكن القناصة والطيران من تمييز أنها أنهت التحقيق.
قال لها الجندي: "اسلكي الطريق جنوبًا، ثم غربًا نحو البحر."
طلبت أن تسلك طريقًا أقصر، لكنه رفض. تقول سارة:
"كانت تلك أسرع مرة أمشي فيها في حياتي. وصلت إلى مخيم الهلال الأحمر في مواصي خان يونس عند منتصف الليل، وسألت عن الطواقم وزوجي، فأخبروني أنهم لم يصلوا بعد، فانهرت بالبكاء."
بعد أكثر من ساعة، وصلت الطواقم. علمت سارة أن زوجها لم يتمكن من التحرك من شارع الهلال بسبب الحفر والسواتر الرملية، وأن الجرافات اضطرّت لتمهيد الطريق. تعطلت سيارتان، وعندما نزل شابان لتفقد الطريق أطلق قناص النار عليهما، فاستشهد أحدهما وأصيب الآخر.
تكدس الباقون في ثلاث سيارات، ووصلوا في الساعة الحادية عشرة صباحًا.
تعرضت سارة لضغط نفسي ممنهج جراء اعتقالها على يد جيش الاحتلال الإسرائيلي. واليوم، تحاول تجاوز ما مرت به، وقد عادت إلى عملها كمحاسبة في مستشفى الهلال الأحمر.