Please ensure Javascript is enabled for purposes of website accessibility
en

نجاة مؤلمة: ألم النجاة

calendar_month التاريخ:30/11/-0001

"غفوتُ ذات ليلة، وعندما استيقظت على صوت أطفالي، رفعتُ الغطاء عني فاكتشفتُ أنني تحت الركام، تطبق الحجارة على صدري ووجهي. حاولتُ نزعها فلم أستطع، ناديتُ عليهم لينقذوني فلم يسمعني أحد، فأخرجتُ يدي ليراني من كان يمشي على الركام فوق رأسي، فانتبهوا أنني ما زلت على قيد الحياة."

علا (33 عامًا) من مدينة رفح، حي الشابورة، أم لخمسة أطفال. تعرض بيت والدها للقصف أثناء قضاء الليل فيه مع أطفالها، بعدما فضّلت مغادرة منزلها خشية استهدافه لقربه من بنايات مهددة بالقصف الإسرائيلي.

منذ اليوم الأول للحرب، في السابع من أكتوبر، نزحت علا إلى بيت والدها، فكانت تقضي النهار في منزلها والليل في بيت عائلتها، لكنها لم تكن تعلم أنها هربت من الموت إلى الموت.

يوم الأحد، 24 مارس/آذار 2024، تعرض منزل العائلة للقصف بصاروخ، مما أسفر عن استشهاد إخوتها الاثنين وأختها وزوجة أخيها، وإصابتها وابنتها شذى بجروح بالغة، فيما نجا باقي أفراد الأسرة بإصابات بسيطة.

"شكرًا،" هذا ما قالته علا لجارها الممرض بعدما انتشلها بشكل خاطئ من تحت الركام، رغم تحذيرها له بأنها تشعر بآلام أسفل ظهرها وضرورة انتظار المسعفين، إلا أنه حملها على بطانية وسار بها فوق الركام لمسافة طويلة حتى وصل إلى سيارة الإسعاف. أدركت حينها أنها ستعاني نتيجة هذا الحمل غير السليم.

ما توقعته علا حدث بالفعل، فبمجرد وصولها إلى المستشفى الكويتي، أشرف على علاجها وفد طبي تونسي، ثم نُقلت إلى مستشفى غزة الأوروبي لاستكمال العلاج وإجراء صورة رنين مغناطيسي، لعدم توفرها في معظم مستشفيات القطاع بسبب نقص الإمكانات الطبية الناجم عن الحصار الإسرائيلي.

تقول علا: "أصبتُ بكسر في فقرات العمود الفقري، بالإضافة إلى الكارثة الأكبر: الشلل النصفي نتيجة الحمل الخاطئ أثناء الإسعاف. أُجريت لي عملية جراحية عاجلة يوم الثلاثاء، 26 مارس/آذار 2024، رغم الأعداد الكبيرة المنتظرة على القائمة، إذ كانت حالتي تستدعي التدخل الفوري."

قبل الجراحة، أخبرها الجراح الفلسطيني، برفقة رئيس قسم الأعصاب، أن نسبة نجاح العملية لا تتجاوز 3%، وأن الهدف منها فقط هو تمكينها من الجلوس باستقامة".

تضيف علا: "عندما أخبرني الطبيب بهذه النسبة، لم أعترض وسلمتُ أمري إلى الله. أجرى فحصًا لقدمي، فلم أتمكن من تحريكها. كنتُ محظوظة بوجود أطباء مختصين في جراحة العمود الفقري والأعصاب. وبعد العملية، طلب مني الطبيب تحريك قدمي، فاستطعتُ تحريك أطرافي، ما أكد نجاح الجراحة."

اليوم، تمشي علا باستخدام جهاز الووكر (Walker)، وستنتقل قريبًا، وفق ما أخبرها أخصائي العلاج الطبيعي، إلى مرحلة استخدام العكاز. "بعد خروجي من العملية، بدأتُ العلاج الطبيعي، واضطررتُ إلى تفصيل جهاز القدم الساقط (الآفو) عند الخياط، لعدم توفره في القطاع، بتكلفة 700 شيكل، بينما كان يُباع سابقًا في الصيدليات بـ 60 شيكلًا فقط. أخبرني الأخصائي أنه لا يفي بالغرض بالكامل، لكنه أفضل من لا شيء."

تعاني علا من نقص المستلزمات الطبية الأساسية مثل القثطرة وغياب الأجهزة المساعدة. فيما تواجه ابنتها شذى (14 عامًا) وضعًا لا يقل صعوبة، إذ أصيبت بكسر في الجمجمة وكسر في الأضلاع الصدرية، ما استدعى مكوثها في المستشفى شهرًا كاملًا. ومع ذلك، أُخرجت قبل اكتمال شفائها بسبب الاكتظاظ، رغم استمرارها في الصراخ من الألم وعجز الأطباء عن إجراء أي عملية لها نتيجة نقص الإمكانات.

تبنّت إحدى الجمعيات المعنية بالأطفال حالة شذى، وقامت بتنسيق سفرها إلى مصر برفقة والدتها يوم الأربعاء 1/5/2024. هناك، أُجريت لها العملية فور وصولها إلى المستشفى، والتي تمثلت في شفط المياه من مركز التحكم في الدماغ، مما أدى إلى استعادة حركة يدها وقدمها بعد أن كانت تعاني من شلل كامل. واليوم، تواصل شذى دراستها هناك، وتعيش حياة طبيعية بعدما تماثلت للشفاء.

لم تسلم علا من بطش جيش الاحتلال، إذ أجبرها، كما باقي سكان مدينة رفح، على الإخلاء. لذا، درّبتها أخصائية العلاج الطبيعي على الجلوس في المقعد الأمامي للسيارة أثناء النزوح، تفادياً لأي خطأ قد يحدث أثناء حملها وإنزالها.

تروي علا مزيداً عن مأساتها قائلة: "في يوم السبت 11/5/2024، اضطُررنا للنزوح إلى منطقة المواصي، حيث تعاطف معنا أصحاب الأرض واستضافوني أنا وأختي المرافقة، نظراً لازدحام منزلهم بالنازحين. لم أشعر بالراحة بسبب بُعد أولادي عني. وبعد خمسة أيام، أعدّ والدي خيمة في مدينة حمد. يوم الخميس 16/5/2024، تركنا الأرض وانتقلنا جميعاً، لكن ظروفي الصحية لم تكن مناسبة للإقامة في الخيمة، كما أنني لم أتمكن من العثور على أخصائي للعلاج الطبيعي بسبب بُعد المدينة. لذلك، لم نمكث سوى ثلاثة أيام، ثم نزحنا إلى وسط مدينة خان يونس يوم الأحد 19/5/2024، حيث استضافنا أقاربنا الذين غادروا إلى مصر، ومنحونا شقتهم".

لم تهدأ جرائم الاحتلال، إذ أصدر أمراً بإخلاء مدينة خان يونس يوم الاثنين 22/7/2024، لتنفيذ عملية عسكرية محدودة. تقول علا: "أُجبرنا على النزوح مجدداً، لنواجه المعاناة ذاتها، من مشقة النقل إلى التكاليف الباهظة. توجهنا إلى منطقة جيزان النجار جنوب خان يونس، حيث مكثنا في خيمة وسط حرارة شديدة وظروف صحية صعبة، مع شح المياه".

وبعد انسحاب الجيش من المدينة يوم السبت 27/7/2024، عادت علا مع عائلتها إلى منزلهم مجدداً، لتتكبد خسائر مالية إضافية، وتعاني ذات المشقة في التنقل. تروي علا: "في كل نزوح، نتكبد تكاليف مادية ونفسية، فيما لا تزال الحرب مستمرة ولا نعلم متى تنتهي. وضعي الصحي والمالي يزداد سوءًا، فزوجي موظف حكومي لا يعمل حاليًا، ويتلقى راتباً متقطعاً لا يتجاوز 800 شيكل. لا نعرف كيف نوزعه: هل نشتري به طعاماً أم نخصصه لعلاج المعالج الطبيعي، أم نشتري الحفاضات، أم المياه المالحة أو الحلوة الصالحة للشرب؟ الحياة أصبحت شاقة."

ورغم كل الصعوبات والتكاليف، تُصر علا على تعليم أطفالها في المراكز التعليمية الخاصة، رغم حداثة المكان عليهم، وتحرص على دمجهم مع أقرانهم، ومتابعة دراستهم بنفسها، إيماناً منها بأهمية التعليم. فهي ترى أن الاحتلال تعمّد تدمير الحياة المدنية في غزة، وجعل التعليم جزءاً من خطته لإضعاف المجتمع.