الزيتون والملح زادنا!
سماح (50عامًا) متزوجة من رجل سبعيني، منذ خمسة عشر عاماً، لم تنجب أطفالاً وتعيش مع زوجها وابنته في بيتٍ من "الأسبست". تقول بعد رحلة من المعاناة مع النزوح خلال نزوحنا قصراً إلى حي الزيتون جنوب مدينة غزة "ثلاثة عشر فرداً، كان زادنا لمدة أسبوعين ما تعطينا إياه شَجرتًي زيتون وليمون والقليل من الملح، مع بعضٍ من الطحين المُدعّم بالسوس! والدود!، بعد أن نخلناه.
"مع بداية الحرب على قطاع غزة، بدأ جيش الاحتلال الإسرائيلي يلقي المناشير التي تطالبنا بالإخلاء؛ ولكن زوجي كان رافضًا بشكلٍ قاطعٍ للنزوح، وحتى يومنا هذا لم ينزح وبقي صامدًا في مدينة غزة، ومتفائلاً بدرجة كبيرة أنّها أيام وستنتهي رغم أنها استمرت لمدة تزيد عن العام".
تقطن سماح في حي الرمال بشارع يسمى (عايدية)، بالقرب من مجمع الشفاء الطبي، سقف بيتها مصنوع من الأسبست وتحيط بالبيت أبراج سكنية ومسجد، لذلك كان التخوف الأكبر أن يتعرض البيت للدمار بفعل القصف وتطاير الشظايا عليهم، فكانوا كلما هٌددوا بقصف من حولهم خرجوا إلى المستشفى للاحتماء في ساحتها، هاجرين النوم والراحة، "كانت مستشفى الشفاء مكتظة بالجرحى والنازحين، في كافة المرافق والأقسام وبين الممرات وعلى أبواب المراحيض، وبسطات الدرج، لم يكن الوضع طبيعي بتاتاً".
كانت تخرج من بيتها وتعود بعد انتهاء قصف الهدف المنشود، ولكن بسبب تكثيف جيش الاحتلال الإسرائيلي لهجماته ضد مدينة غزة وضواحيها، تقول: "قررنا من ثاني أسبوع في الحرب يوم السبت بتاريخ 14/10/2023 أن نترك البيت ليلاً، ونبيت عند ابنته الأخرى لأن سقف شقتها من الباطون؛ على أن نعود صباحًا إلى بيتنا".
"في يوم الأربعاء 25/10/2023 اشتد القصف وزاد الوضع سوءاً؛ فتوجهنا إلى أرض جارنا في منطقة (عسقولة) جنوب غزة، وكان عددنا تسعة وعشرون شخصاً ما بين نساءٍ ورجالٍ وأطفالٍ، وكانت عبارة عن غرفة وسط الكثير من الأشجار، فكان التخوف أكبر لأنها عرضة أكبر للقصف، كما أن وبسبب كثرة عددنا َترَكنا الرجال وباتوا في مكان آخر، فكانت ليلة صعبةً ومخيفةً جداً".
"مع طلوع الصباح قرر زوجي العودة إلى البيت، رغم خطورة الوضع وحالة التخبط في اتخاذ القرار، عدنا إلى البيت، ولكننا قررنا النزوح إلى بيت صديقه الذي يملك عمارة فيها شققٌ سكنية وجميع من كان فيها نزح جنوباً، فرحب باستقبالنا وقال إن ما يجري عليه يسري علينا".
وبعد قرار الجميع أن الوضع أصبح خطيراً في منطقة شمال وادي غزة، وأنه يتوجب علينا النزوح فوراً من كل المنطقة، وبمجرد طلوع النهار؛ كان لجيش الاحتلال الإسرائيلي قراراً مخالفًا، "لم يأت النهار مبشراً، ولم ينزح أحد منا، ففجأة وعلى حين غِرة حاصرت الدبابات والآليات العسكرية شارعنا؛ يوم السبت بتاريخ 28/10/2023، ومن المتعارف عن الجيش أنه عند اجتياحه لأي منطقة يرمي مادة الفسفور، والقنابل الغازية للتغطية على دخوله البري، فاستنشقت الفسفور السام وشعرت بالإعياء الشديد في صدري الذي استمر معي لفترة طويلة".
الجميع في البيت محاصرين وحاولوا التواصل مع أكثر من جهة دون استجابة فتواصل زوجها مع أخيه، "اتفقا على أن يخرج أخوه مع مجموعة من الشباب الذين نزح نساؤهم إلى منطقة جنوب الوادي قبل الهجوم البري وهم من معسكر الشاطئ، وأن يتجهوا إلى شارع (عايدية) غرب غزة، ولكن اتصل بنا بعد ذلك وأخبرنا أن الشارع مليء بالدبابات والآليات العسكرية، وأنهم غيروا مسارهم إلى شارع (الوحدة)، وللأسف وصل خبر وفاته واعتقال جميع الشباب واقتيادهم إلى أحد المطاعم وأسرهم هناك؛ فلو خرجنا معه لكنا في عداد الموتى أو جرحى أو أسرى".
تواصلت سماح مع صديقة لها كانت محاصرة مع مجموعة من النازحين/ات في مبنى تابع لمؤسسة دولية في شارع (النصر)، "كانت صديقتي نازحة في مجمع الشفاء الطبي وعندما اشتد الحصار طالبوا بإخلاء المستشفى فنَزَحَت إلى المؤسسة الدولية علها تنال حق الحماية لأنها تابعة للأمم المتحدة، ولكن وصلت الدبابات العسكرية إلى شارع النصر، وبدأ الجيش يتحرك في المنطقة، كانت المشاهد جديدة على شبان قطاع غزة الذين بادروا بالتقاط الصور، فاستهدفهم القناصون وأردوهم قتلى على الفور، وهذه الأخبار ملأتني بالرعب أكثر".
تكمل سماح في اليوم الثالث من الحصار "أخبرتني صديقتي أن الصليب الأحمر استطاع أن ينسق مع جيش الاحتلال الإسرائيلي لإجلائنا بأمانٍ، واتفقنا أن نخرج جميعا كلٌ من مكانه؛ لأننا على امتداد نفس الشارع، وما أن يصلوا شارعنا ونراهم نبدأ بالخروج رافعي الرايات البيضاء بيد وحاملين للهوية باليد الأخرى".
"يوم الثلاثاء بتاريخ 31/10/2023 تم إجلاؤنا ونجاتنا جميعاً من الحصار، فخرجنا ورأينا الدبابات بأم أعيننا ولإخافتنا صوب الجندي فوهة الدبابة اتجاهنا، ونادى عبر مكبر الصوت وأخبرنا الاتجاه الذي يتوجب علينا أن نسلكه، وأخبرونا أن نتوجه إلى ميدان فلسطين وسط مدينة غزة".
توجه الناجون/ات إلى حي الزيتون، ومكثوا/ن نحو أسبوعين، عانوا/ن فيه مع توفير الغذاء، حتى كانت الهدنة في يوم الأحد بتاريخ 26/11/2023، "عاد زوجي فوجد البيت مدمراً، أصريت أن أودع بيتي وذهبت لأراه ثاني أيام التهدئة، لأتيقن أن آخر ما تبق لي هو البيت، وراح في حال سبيله؛ فاقتنعت بضرورة النزوح إلى مدينة رفح مدينتي الأم وحيث بيت والدي وإخوتي، خاصة أنني في كل مرةٍ كنت أنزح بها لا أحمل ما يذكر معي من الملابس والأغطية".
خرجت برفقة حفيد زوجها وتوجها إلى جنوب القطاع، ومرا بما يسمى محور (نيتساريم)، المعروف بالحلابات، وسط القطاع، ووصلت إلى مدينة رفح ومكثت هناك لأشهر عديدة، حتى اجتاح الجيش معبر رفح البري في يوم الأحد 5/5/2024، وطالب بإخلاء المدينة، "توجهنا لمنطقة (مواصي رفح) غرباً، ومكثنا هناك في يوم السبت بتاريخ 11/5/2024، وبعدها انتقلنا إلى وسط مدينة خان يونس في يوم الأحد بتاريخ 19/5/2024".
لم يلبث أن طالب جيش الاحتلال بإخلاء مدينة خان يونس فنزحت مع أهلها إلى منطقة (جيزان أبو رشوان) جنوبًا، في خيمة، وَبقيت لمدة خمسة أيام، وما أن انتهت العملية العسكرية حتى عادوا/ن إلى نفس المكان يوم السبت بتاريخ 27 /7/2024.
مازالت سماح تعيش حياة النزوح حتى هذه اللحظة في مدينة خان يونس، ترسم على ثغرها ابتسامة ساخرة، "مازال زوجي بعيداً عني في مدينة غزة ومازال يخبرني عن تفاؤله، وأننا سنلتقي قريباً حتمًا".