Please ensure Javascript is enabled for purposes of website accessibility
en

غريقة في بحر النزوح

calendar_month التاريخ:30/11/-0001

قسرًا، وعلى وقع الأحزمة النارية والقذائف التي يطلقها جيش الاحتلال الإسرائيلي على كل ركنٍ من قطاع غزة، نزحت وفاء (44 عامًا)، متزوجة وأم لخمسة أطفال، أكبرهم يدرس الطب وأصغرهم طفل بعمر سبع سنوات، من حي الشيخ رضوان شمال مدينة غزة إلى خان يونس جنوب القطاع.

 

تقول وفاء:

"بدأت الرحلة المريرة يوم الجمعة 13/10/2023. ودّعتُ أهل زوجي وبيتي، وكل قطعة فيه، وذكرياتي، وقلت: أسبوعان وسنعود. ثم توجهتُ نحو الجنوب. تكدسنا في السيارة أنا وعائلة أخي، ودفعنا 450 شيكلًا أجرة الطريق، وهو مبلغ كبير مقارنة بالسعر المعتاد. كان المئات ينزحون. صُدمت بمنظر الناس: بعضهم في سياراتهم، وآخرون في سيارات أجرة، وكثيرون مشيًا على الأقدام، الجميع يركض خوفًا من الصواريخ والقذائف التي قد تسقط عشوائيًا في أي وقت".

 

وصلت وفاء إلى بلدة القرارة شرق خان يونس، لتبدأ حياة جديدة بكل ما للكلمة من معنى. مكثت مع 21 فردًا في بيت واحد، لتصبح ضيفة دائمة. كان العيش مع هذا العدد الكبير مرهقًا للغاية؛ لا طعام حسب الرغبة، ولا نوم في الوقت المطلوب، فضلًا عن شح الوقود وانقطاعه، مما أجبرها على العجن والطهي وكل شيء على موقد النار. حاولت خلال ذلك تلبية طلبات الأطفال الصغار قبل الكبار ليسدّوا رمقهم وسط شح الطعام والحصار.

 

تضيف وفاء:

"مع بداية الشتاء اضطررنا لطلب الأغطية والملابس من الجيران. كان وقع الأمر علينا صعبًا، لكننا وصلنا إلى مرحلة من الذل والقهر، حيث أصبحنا بحاجة إلى أبسط الأمور وأتفهها".

 

وفي 23/11/2023، أُجبرت مجددًا على النزوح من شرق خان يونس إلى وسطها في منطقة تُسمى "كراج رفح"، بعد اشتداد القصف والمطالبات بالإخلاء عبر المناشير ورسائل الهواتف. وبعد أيام، وتحديدًا 3/12/2023، نزحت مع أسرتها إلى رفح عند منطقة دوار زعرب، بدفع 300 شيكل، لكن عند الوصول طلب صاحب المنزل 1000 دولار شهريًا، فقررت العودة إلى خان يونس بحثًا عن شقة أقل تكلفة. ثم اضطرت للعودة مرة أخرى إلى رفح يوم 5/12/2023، متحملة تكاليف النقل المتكررة والمصاريف الأخرى من طعام ومياه للشرب وحتى المياه المالحة رغم شحها وارتفاع أسعارها.

 

في رفح تقلص العدد إلى 16 فردًا، وكانت الأجرة الشهرية 1000 شيكل، في مساحة ضيقة لم تكن سوى مضافة تفصلها ستارة بين الرجال والنساء. كانت الحركة مقيدة والصوت ممنوعًا، ما جعل وفاء تشعر وكأنها في سجن. لم ترفع الحجاب عن رأسها طوال تلك الفترة حتى قررت مع زوجها استئجار دكان صغير مقابل 500 شيكل شهريًا. وفي 13/01/2024 انتقلت إليه، حيث تنفست الصعداء وشعرت باستقلالية افتقدتها لشهور.

 

لكن سرعان ما عادت المعاناة. في 8/05/2024، ومع أوامر الاحتلال بإخلاء رفح، انتقلت مع عائلتها إلى خان يونس ومكثت في بيت صديقتها. وبعد أيام، اضطرت للانتقال إلى منزل آخر مؤقتًا، ثم نصب زوجها خيمة. وفي 26/07/2024 انتقلت إلى منطقة المواصي حيث أقامت في خيمة. عند رؤيتها للمكان غلبها البكاء وتمنت لو لم تغادر بيتها. حرارة الصيف كانت قاسية، الذباب والبعوض منتشران، وأصيب بعض أبنائها بمرض الكبد الوبائي، فيما تعرّض طفلها الصغير لضربة شمس أفقدته الوعي.

 

تقول:

"لم تكن المعاناة مقتصرة على المرض والحر، بل شكلت الكلاب والقطط الضالة، إضافة إلى الثعابين والعقارب، خطرًا دائمًا. أما السير على الرمال فكان مؤلمًا، ولم أفكر حتى بخلع نعلي من قدمي".

 

وعلى الرغم من ادعاءات الاحتلال بأن المواصي "منطقة إنسانية آمنة"، إلا أنها لم تكن كذلك على الإطلاق. عاشَت وفاء هناك لحظات رعب حقيقية تحت أصوات الطائرات الحربية والزنانات، فيما الأرض تهتز بالقصف. احترقت خيام بمن فيها إثر الاستهداف المباشر، ما زاد من مخاوفها. وفي إحدى الليالي، استيقظت لتجد قطة فوق رأس طفلها الصغير، فصرخت خوفًا عليه.

 

حتى محاولة الترفيه عن أطفالها حملت مأساة جديدة. اصطحبتهم إلى البحر، فضربت موجة قوية طفلها الصغير وأطاحت بنظارته الطبية، التي كانت وسيلته الوحيدة لرؤية العالم. حاول والده تفصيل نظارة بديلة في دير البلح، لكن الأمر استنزف جهدًا كبيرًا وأموالًا طائلة، إذ بلغت تكلفتها ضعف سعرها الطبيعي.

 

تقول وفاء بمرارة:

"النزوح ليس مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل هو إرهاق دائم وخوف يسكن الروح. أن نشعر بالغربة داخل وطننا أمر يفوق الوصف. لم يكن النزوح فقدانًا للمأوى فقط، بل عبئًا أثقل كاهلنا بتكاليف لم نحسب لها حسابًا؛ من مواصلات وطعام وملابس. غادرنا منازلنا في ذروة الصيف نحمل بالكاد ما يكفينا ليومين، فوجدنا أنفسنا مضطرين للاستدانة من الجيران".

 

بين الخوف من العودة وثقل التكيف مع الحياة الجديدة، لا تزال وفاء تحمل وجع النزوح في قلبها، تحاول أن تكون درعًا يحمي أطفالها من عاصفة لا تهدأ. تقول:

"لم تعد المرأة الغزية كما كانت من قبل. صرنا نحمل أعباء الأب والأم معًا، لأن ثقل الحياة صار مضاعفًا".

#غزة #صوت_النساء #حكايات_الصمود