"كأنها القيامة"
كأنّها القيامة
سُجلت هذه الشهادة ضمن لقاءٍ أجرته إحدى صحفيات "مركز شؤون المرأة" الفلسطيني مع فداء (اسم مستعار) في غزة بين سبتمبر/ أيلول ونوفمبر/ تشرين الثاني ٢٠٢٤ لصالح «وحدة رصد قضايا المرأة في المنطقة العربية» بواسطة « الشبكة العربية للمجتمع المدني النسوي».
لأكثر من خمسين يومًا، بقيت آمال (30 عامًا) رهن الاعتقال في سجون الاحتلال الإسرائيلي. في الأيام الأولى لاجتياح حي الزيتون جنوب شرق مدينة غزة، كانت تضطر للمبيت في منزل صديقتها، هربًا من القصف والأحزمة النارية التي أحاطت بمنزلها، القريب من مناطق توغل آليات ودبابات جيش الاحتلال. وفي إحدى الليالي، اعتقلها جنود الاحتلال بحجة عدم نزوحها من مدينة غزة إلى جنوب القطاع.
كان والدها، المصاب بالسرطان، قد غادر برفقة والدتها إلى جمهورية مصر العربية لتلقي العلاج قبل اندلاع الحرب بأسابيع، فيما بقيت آمال في منزل العائلة بحي الزيتون مع أشقائها: دعاء (27 عامًا)، عبد الله (24 عامًا)، وعوني (20 عامًا).
كان عوني، الشقيق الأصغر، متطوعًا في مستشفى النصر للأطفال بحي النصر، لكن في ٣١ أكتوبر/ تشرين الأول ٢٠٢٣، اجتاح جيش الاحتلال الإسرائيلي المستشفى، مجبرًا النازحين والطاقم الطبي على التوجه جنوبًا، وكان عوني من بينهم. نزحت دعاء معه لمرافقته، ما أدى إلى تشتت العائلة وتفرق الأشقاء، ليزداد الألم أضعافًا.
تروي آمال: "في الأول من ديسمبر/كانون الأول ٢٠٢٣، اجتاحت قوات الاحتلال الإسرائيلي حيي الشجاعية والزيتون، وفرضت حصارًا كاملاً عليهما بعد أسبوعين فقط من انتهاء الهدنة التي بدأت في نوفمبر. وفي ١٤ ديسمبر/ كانون الأول، اقتحمت القوات حي الزيتون، وكنت حينها أقيم في منزل أصدقاء لنا، بينما كان أخي عبد الله في منزل العائلة، الذي يبعد مسافة كبيرة عن مكان وجودي.
كانت الساعة تقترب من العاشرة مساءً عندما بدأ القصف المدفعي على المنازل المجاورة، وتعالت أصوات الرصاص ودوي الدبابات، وكأنها القيامة. علت الصرخات من كل مكان، وتطايرت الحجارة والركام، والشظايا اخترقت كل شيء. كان قلبي يخفق بقوة، وأرتجف خوفًا على نفسي، بينما شرد عقلي بمصير أخي الذي بقي وحيدًا في المنزل. نزلت والعائلة التي كنت أقيم معها إلى غرفة صغيرة في الطابق السفلي، كما يفعل الغزيون عادةً عند اشتداد القصف، بحثًا عن الأمان وفرصة للنجاة، إذ تكون الطوابق العلوية أكثر عرضة للصواريخ والشظايا وإطلاق النار العنيف من الجنود ودباباتهم. بقينا هناك حتى طلوع الصباح".
تضيف آمال: "حملنا الرايات البيضاء وهممنا بالخروج، لكن الجنود كانوا عند الباب يطلقون الرصاص على المنزل ويطلبون منا الخروج وتسليم أنفسنا. أجبروا الشباب على نزع ملابسهم وعروهم تمامًا باستثناء اللباس الداخلي، كما أجبرونا نحن النساء على رفع ملابسنا العلوية، وخلعوا أغطية رؤوسنا وحجابنا، وكان جميع الجنود من الذكور. اقتادونا إلى منزل آخر، حيث شاهدنا شبابًا مكبلين تظهر عليهم آثار الضرب الشديد، وكانت الدماء تغطي أجسادهم، فيما سمعنا أصوات تعذيبهم. بدأ أحد الجنود التحقيق معنا، طالبًا منا الاعتراف للنجاة بأرواحنا. أخبرتهم أنني نازحة في هذا المنزل، وهذه ليست عائلتي."
حقق الجنود مع كل امرأة على حدة، وهددوا آمال بكلابهم، مطالبين إياها بالاعتراف بأمور لا تعرف عنها شيئًا. سألوها الكثير من الأسئلة عن أصحاب المنزل وإن كانت لهم صلة بفصائل المقاومة، لكنها نفت معرفتها بذلك. ومع ذلك، كان السؤال الوحيد الذي يسيطر على تفكيرها: هل سيقتلونها أم لا؟ خرجت من التحقيق منهارة وخائفة جدًا، وبقيت حتى الساعة الثامنة مساءً من ذلك اليوم، حين طلب أحد الجنود نقل الأسرى إلى حي الشجاعية، لكنها لم تكن تعلم إلى أين بالتحديد.
تصف آمال ما شاهدته قائلة: "عصبوا أعين ثلاثة شبان، بينما كنت أنا بلا عصابة، ثم أعطوا النساء الخمس الرايات البيضاء وأخبروهن أنهن أحرار. في تلك اللحظة، ازدادت مخاوفي وكنت على وشك الانهيار، وقلبي يخفق من شدة الخوف حتى كاد يتوقف. بقيت وحدي. كان ذلك في يوم 15 ديسمبر/كانون الأول 2023، حين اعتقلوني. سرنا أمام الجنود كدروع بشرية، فسألتهم: "إلى أين نذهب؟ هل ستقتلوننا؟" فكانوا يجيبون: "سنفكر في ذلك".
وتضيف: "بعد ثلاث ساعات من السير، جلسنا في مكان ما، وبدأ الجنود يضربوننا بأرجلهم وبنادقهم على ظهورنا. جاءت دبابة إسرائيلية تدور حولنا، ولم يكن يشغل تفكيري سوى الموت. ثم جاء جندي وغطى رأسي ببلوزة بيضاء كان يرتديها أحد الأسرى.
وصلنا إلى مكان لا أعرفه، لكنني شعرت وكأننا على شاطئ البحر، استنادًا إلى ملمس الرمل، وصوت الموج، ورائحة البحر، ربما في منطقة زيكيم شمال غرب قطاع غزة. جاءت مجندة ونزعت البلوزة عن رأسي ثم عصبت عيني فقط. أعطوني بطانية مبللة بالماء ومليئة بالرمل وألقوها في وجهي قائلين: "الآن نامي". كان ذلك في ساعات الصباح الباكر من اليوم التالي. بعدها، بدأ الجنود يضربونني ويسألونني: "لماذا لم تذهبي إلى الجنوب؟"
تخختم آمال شهادتها قائلة: " بعد ساعات، اقتادتني مجندة إلى مكان آخر حيث خضعت لتفتيش عارٍ بالكامل. كان التفتيش قاسيًا ومهينًا، إذ تعرضت خلاله للتعنيف والأذى الجسدي. بعدها، نقلوني إلى معتقل يُدعى "عناتوت"، حيث كنا نُجبر على دخول الحمام ونحن مكبلات الأيدي. كان الطقس شديد البرودة، فيما كنا نرتدي ملابس خفيفة لا تقي من البرد. السجن لم يكن سوى قفص ضيق، حتى أنني في ليالٍ كثيرة كنت أجد أن الحيوانات تعيش في أقفاصها بظروف أفضل مما كنا عليه.
لاحقًا، نقلني جنود الاحتلال في حافلة إلى سجن "الدامون"، حيث بقيت هناك خمسين يومًا. خلال تلك الفترة، اعتقدت عائلتي أنني قد مت، وبحثوا عني في كل مكان، سائلين الصليب الأحمر وهيئات الأسرى عن أي خبر يتعلق بي. لم يسمح لي الجيش بالتواصل مع المحاميات، لكنني تمكنت لاحقًا، عبر إحدى الأسيرات، من إيصال اسمي إلى الصليب الأحمر، الذي بدوره أبلغ عائلتي أنني لا أزال على قيد الحياة.
في الأول من فبراير 2024، أُفرج عنا وألقوا بنا عند معبر كرم أبو سالم. كان ذلك واحدًا من أصعب المواقف في حياتي، شعرت حينها باختناق وألم عميق، لم أشعر بالفرح رغم استعادة حريتي، لأنني كنت مدركة أن هذا الألم سيبقى يرافقني حتى آخر يوم في حياتي. استقبلنا الصليب الأحمر ووكالة الغوث، ثم التقيت بأهلي في رفح. لكن الاحتلال صادر جميع أوراقي الثبوتية، بما فيها هويتي وجواز سفري، ولم يعيدوا لي أيًا منها".
الشبكة_العربية _للمجتمع_المدني_النسوي
غزة #حرية_الأسيرات #صوت_النساء