Please ensure Javascript is enabled for purposes of website accessibility
en

أبواب الجحيم

calendar_month التاريخ:30/11/-0001

 أبواب الجحيم

بشللٍ نصفي دائمٍ وفقدان ثلاثةٍ من أبنائها، حُرِمَت هالة، ذات الخمس وثلاثين عامًا، من عائلتها الصغيرة وحياتها المستقرة. وجدت نفسها تواجه أقسى أنواع المعاناة، بعد أن صارت تعيش في عزلةٍ مؤلمة داخل خيمةٍ مهترئةٍ في منطقة المواصي غرب مدينة خان يونس، بعيدةً عن زوجها وابنها المصابين، لعجزها عن رعايتهما.

كانت هالة أمًّا لأربعة أطفال: نور الدين (12 عامًا)، عمر (10 أعوام)، محمد (8 أعوام)، وكنان (5 أعوام). اضطرت للنزوح مع زوجها وأطفالها من منزلهم الصغير والهادئ في تل الزعتر بمخيم جباليا شمال قطاع غزة، يوم الجمعة 13 أكتوبر 2023، إلى الجنوب، هربًا من حرب الإبادة التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي على القطاع. استقر بهم الحال في خيمةٍ مؤقتة، كحال معظم النازحين في منطقة المواصي بمدينة خان يونس، لكن الحياة لم تمهلها طويلًا، إذ كُتب لها أن تعيش الكارثة في يوم الثلاثاء 26 مارس 2024.

تروي هالة تفاصيل ما جرى، قائلةً: "كنا في شهر رمضان عندما أصبنا جميعًا بقصفٍ مفاجئٍ استهدف الخيمة المجاورة لنا. كنتُ برفقة زوجي وأطفالي الأربعة داخل خيمتنا، وكانت الساعة تقترب من العاشرة والنصف صباحًا. كنا نستذكر بأسى أيامنا الماضية في بيتنا الصغير الدافئ، وكيف كنا نستيقظ صباحًا نعتزم الصيام، شاكرين الله على منحنا يومًا جديدًا لعبادته وطاعته، عندما فجأةً سقطت القذائف على الخيمة المجاورة، لتفتح في وجوهنا أبواب الجحيم، ويصدح صراخ عذاباتنا في السماء والأرض، ثم بدأت الحياة تنهار من حولنا."

امتلأ جسد هالة بالشظايا التي اخترقت أحلامها قبل أن تخترق جسدها، وفقدت اثنين من أبنائها، نور الدين وعمر، في اللحظة ذاتها. أما محمد، ابنها الثالث، فأصيب إصابةً بالغةً في الرأس، وظل يصارع الموت أيامًا في المستشفى، قبل أن يفارق الحياة يوم الأربعاء 3 أبريل/نيسان  2024، تاركًا خلفه ألمًا لا يزول.

أما طفلها الأصغر، كنان، فقد تعرض لإصابةٍ خطيرةٍ في بطنه تسببت في تمزق أمعائه، وما زال يعاني من مضاعفاتٍ خطيرةٍ حتى اليوم. كنان، الذي بالكاد يتحمل الألم ليلاً، يعيش حياةً مختلفةً تمامًا عن أقرانه، فلا يستطيع تناول الطعام كغيره من الأطفال، ولا تغفو عيناه إلا بعد معاناةٍ طويلةٍ مع الألم.

تضيف هالة: "تغلغلت الشظايا في جسدي، لكنها تغلغلت في روحي أكثر، وكانت أكثر الإصابات تأثيرًا تلك التي استقرت في بطني، مما استدعى إزالة أجزاء من الأمعاء. لكن الإصابات الأشد وقعًا والتي غيرت حياتي كانت تلك التي أصابت الحبل الشوكي وتسببت لي بشلل نصفي دائم، حيث خضعتُ لعملية جراحية في المستشفى الأمريكي، حيث قضيت شهرًا ونصف في العلاج، وكان كل يوم هناك يسرق مني المزيد من الإرادة. خلال هذه الفترة العصيبة، فقدتُ كل رغبتي في الحياة، وتلاشى الأمل من قلبي، ولم تبقَ لي سوى ذكريات موجعة تلاحقني.

في أواخر أبريل/نيسان 2024، وبعد شهر ونصف من معاناة العلاج القاسي داخل المستشفى الأمريكي، وجدت هالة نفسها مضطرة للانتقال إلى مدرسة خديجة في بدير البلح، التي تحولت إلى نقطة طبية تستقبل المرضى والمصابين وسط عجز المستشفيات عن استيعاب الأعداد المتزايدة. هناك، خضعت للعلاج لقرابة ثلاثة أسابيع، قبل أن ترحل في منتصف مايو، عائدة إلى خيمة بالية بجوار والدتها وإخوتها، بعيدًا عن زوجها وطفلها، حيث تكابد آلامها في غياب أدنى مقومات الرعاية الطبية.

تقول هالة: "كنت أعتمد على الأكسجين لفترة طويلة، ويعاني جسدي الآن من التهابات مزمنة تؤثر بشكل كبير على الكلى وتسبب لي هبوطًا مستمرًا في ضغط الدم. بالإضافة إلى ذلك، أعاني من التهابات خطيرة ناجمة عن القسطرة البولية المركبة، مما يضطرني للعودة إلى المستشفى مرارًا كلما تفاقمت حالتي. يزداد ألمي بسبب اضطراري لترك طفلي وزوجي وحدهم. الألم ليس جسديًا فحسب، بل هو روحي أيضًا، إذ يتضاعف وجعي في كل مرة أتذكر أنني فقدت ثلاثة من أبنائي، أو حين أعجز عن تقديم رعاية بسيطة لطفلي المتبقي، كنان".

كنان هو الطفل الوحيد لعائلة كانت تملؤها ضحكات الأطفال وبكاؤهم. كثيرة هي العائلات التي باتت تتكون من طفل واحد لوالديه، أو من عدة أطفال بلا والدين، وعائلات أخرى فقدت أطفالها ووالديهم معًا.

"ما زال كنان يعاني من مضاعفات إصابته التي غيرت حياته وحياة أسرته بالكامل. فقد ظهر لديه مؤخرًا فتق في بطنه يستدعي إجراء عملية جراحية عاجلة، إلا أن الأطباء أخبرونا أن العملية لا يمكن إجراؤها إلا بعد انتهاء الحرب، بسبب النقص الحاد في الإمكانيات الطبية وعدم توفر العلاجات اللازمة لحالته المعقدة. يحتاج كنان إلى رعاية خاصة ومتابعة مستمرة من الأطباء، وهو أمر غير متاح حاليًا. وقد أكد لنا الأطباء أن سفره للعلاج في الخارج هو الحل الأمثل، لكن هذا الحل يبدو كحلم مستحيل في ظل الظروف الراهنة وإغلاق المعبر".

تختتم هالة شهادتها قائلة: "حاليًا، أعيش مع أهلي في خيمتهم بمنطقة مواصي خانيونس، بينما يقيم زوجي وطفلي كنان في خيمة عائلته، مما زاد من معاناتي وأثقل أوجاعي التي لا تُحتمل. كيف لي أن أتنفس وابني الوحيد بعيد عني، ولا أستطيع حتى التخفيف عنه بالكلام؟ لا أتمكن من رعايته بنفسي، وهذا الواقع القاسي الذي أعيشه اليوم ليس مجرد نتيجة للقصف الذي دمر عائلتي، بل هو انعكاس مباشر للحرب الإسرائيلية المستمرة، التي حولت حياتنا إلى كابوس دائم. كل يوم هو معركة جديدة من أجل البقاء، سواء على المستوى الجسدي أو النفسي.

تعيش هالة اليوم وحيدة، كغيرها من النساء اللواتي أصابتهن الحرب الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة بجراح جسدية ونفسية لا تلتئم. تبقى صورتها أمام أنقاض حياتها شاهدة على شجاعةٍ في مواجهة المآسي.
#الشبكة_العربية_للمجتمع_المدني_النسوي

#العدوان_على_غزة #نساء_تحت_النار #قصص_من_تحت_القصف #حقوق_المرأة #أمهات_غزة #كنان_بحاجة_للعلاج #Palestine #GazaUnderAttack