عودة من الموت
سجلت هذه الشهادة ضمن لقاء أجرته إحدى صحفيات "مركز شؤون المرأة" الفلسطيني مع فداء (اسم مستعار) في غزة بين سبتمبر/ أيلول ونوفمبر/ تشرين الثاني ٢٠٢٤ لصالح «وحدة رصد قضايا المرأة في المنطقة العربية» بواسطة «الشبكة العربية للمجتمع المدني النسوي».
تحت وطأة تهديدات جيش الاحتلال الإسرائيلي، وجدت فداء، الشابة البالغة من العمر 27 عاما، نفسها مجبرة على ترك حي تل الهوا جنوب مدينة غزة، والنزوح نحو الجنوب بحثا عن الأمان، لكن ذلك لم يكن الخيار الأصعب. فقد تركت خلفها أغلى ما تملك، طفلتيها الصغيرتين، لتبدأ فصلا من الألم والقلق.
وفي خضم هذه المأساة، تلقت الخبر الذي مزق قلبها، جيش الاحتلال قتل طفلتيها. شهور طويلة مرت وهي تعيش في ظلال الحزن والحنين، قبل أن تنكشف الحقيقة أخيرا وتجمعها الأقدار بهما بعد تسعة أشهر، في لحظة مفعمة بالمفاجأة والدموع.
قبل ثلاثة أعوام من بدء الحرب، انفصلت فداء عن زوجها الذي يعمل في التجارة، وبقيت طفلتاها، سعاد (11 عاما) وسوار (8 أعوام)، في حضانته، ومع اندلاع الحرب وتصاعد استهداف المنشآت المدنية وأوامر الإخلاء الصادرة عن جيش الاحتلال، نزحت فداء مع عائلتها إلى جنوب قطاع غزة، بينما رفض والد الطفلتين السماح لهما بمرافقة والدتهما رغم إصرارها على ذلك.
تقول فداء: "قررت بعد حدوث عدة استهدافات لأبراج تل الهوا التوجه إلى جنوب قطاع غزة. نزحت مع والدتي وإخوتي يوم الأحد الموافق 19/11/2023 إلى مدينة دير البلح، حيث عشنا في خيمة بأرض النخيل. خلال هذه الفترة، كنت أعاني من عدم القدرة على التواصل مع زوجي الذي يعيش في منطقة التفاح شرق مدينة غزة ومعه طفلتاي. شعرت بألم لا يحتمل كل ليلة، إذ لم أكن قادرة على سماع صوتهما أو الاطمئنان عليهما بسبب الخلافات بيني وبينه. كان والدي هو الوسيط الوحيد بيننا، لكنه كان خارج القطاع مع بداية الحرب، فاضطررت للتواصل معه ليبلغني عن حال الطفلتين. كان قلبي يحترق شوقا لهما، خصوصا مع كل خبر عن استهداف في منطقة سكناهما"
وأضافت: "كانت أصعب اللحظات تلك التي ينقطع فيها الاتصال، فلا أستطيع التواصل مع والدي، وهو بدوره يعجز عن التواصل مع زوجي السابق. كنت أعيش هاجس فقدانهما طوال الوقت. وفي أحد الأيام، تمكن والدي من التحدث معي وربطني بالاتصال مع طفلتيّ. طلبت إحداهما أن تراني وقالت إنها لا تتذكر شكلي. جعلني هذا الطلب أفكر لأيام في كيفية رؤيتهما لي. لجأت إلى الإعلام وتحدثت عن الفراق والحنين إليهما في مقابلة، لكن للأسف، لم تتمكنا من مشاهدتي حينها".
في يوم الثلاثاء، الموافق 5 ديسمبر/كانون الأول 2023، تلقت فداء خبرًا صادمًا عن استهداف منزل طليقها ومقتل جميع من فيه. وقع الخبر عليها كالصاعقة، فانهارت بالبكاء مرارًا، إذ يعني ذلك أنها فقدت ابنتيها دون أن تحظى برؤيتهما، الحديث معهما، أو احتضانهما لآخر مرة.
قالت فداء: "مرت أيام عصيبة كنت خلالها في حالة اكتئاب شديد. تمنيت الموت مليون مرة، وراودتني أفكار سيئة حاولت مرارًا التغلب عليها، لكن دون جدوى. حتى جاءني اتصال من أحد أقاربي المقيمين في مدينة غزة، والذي كنت قد تواصلت معه لمعرفة مكان دفن ابنتي. بعد عشرين يومًا من تاريخ الاستهداف، أخبرني خبرًا قلب حياتي رأسًا على عقب: ابنتاي على قيد الحياة! لم أصدق ما سمعت. أخبرني أن سعاد مصابة وتتلقى العلاج في المستشفى المعمداني وحيدة دون مرافق، بينما سوار تقيم في إحدى المدارس مع أصدقاء للعائلة. علمت لاحقًا أنهما قضيتا سبع ساعات تحت الأنقاض قبل أن يتم إنقاذهما بصعوبة".
وأضافت: "بالرغم من أن هذا الخبر حمل لي بارقة أمل، إلا أنه أشعل نارًا أخرى في داخلي. لم أكن أعرف كيف يمكنني التواصل معهما، خاصة أن كل واحدة منهما في مكان مختلف ولا أملك وسيلة اتصال بهما. علمت أن سعاد كانت تسأل عن والدها وأقاربها، لكن لم يكن أحد يجرؤ على إخبارها بالحقيقة. بعد أسبوعين، علمت أنها اكتشفت أن الجميع قد استشهدوا، بمن فيهم والدها وتسعة آخرون من العائلة، وأنها وسوار الناجيتان الوحيدتان من القصف".
بدأت فداء رحلة البحث عن وسيلة للتواصل مع ابنتها سعاد، وكان الأمر في غاية الصعوبة. وبعد خمسة أيام من البحث والمحاولات، تمكنت أخيرًا من سماع صوتها للمرة الأولى. كانت سعاد تبكي بحالة نفسية سيئة وقالت: "أنا وحيدة يا أمي، لا أحد معي، لا أعرف أين أختي أو عائلتي. أشعر بالبرد والخوف".
تابعت فداء: "علمت لاحقًا أن سوار قد أخذتها عمتها لتعيش معها، لكنها لم تستطع الوصول إلى سعاد بسبب ظروفها الصعبة. أصبحت كالمجنونة أتواصل مع كل من أعرفهم في غزة ليتواصلوا مع سعاد، وقد تمكنوا من زيارتها وتقديم بعض احتياجاتها. وبعد أن أصبحت حالتها أفضل، نُقلت إلى منزل عمتها، حيث التقت بأختها أخيرًا بعد غياب دام شهرًا ونصف".
لم تستسلم الأم، وواصلت البحث عن طريقة لجمع ابنتيها في جنوب القطاع. لجأت إلى الصليب الأحمر، اليونيسف، وكالة الغوث، منظمة الصحة العالمية، وحتى وسائل الإعلام والجهات المعنية كافة. وبعد جهود مضنية، كللت محاولاتها بالنجاح يوم الأحد، الموافق 8 سبتمبر/أيلول 2024، حين وصلت ابنتاها إلى المخيم الذي تسكن فيه عبر منظمة اليونيسف. كان اللقاء مؤثرًا وحارًا للغاية، قبل أن تبدأ فداء رحلة جديدة لإنقاذ نفسيتيهما من آثار هذه التجربة الأليمة.
وصلت الطفلتان بعد رحلة مريرة ومليئة بالرعب. تقول فداء الهدي: "علمتُ أن منظمة اليونيسيف تسلّمت الطفلتين عند الساعة الثامنة صباحًا، وطلب مني أحد المسؤولين أن أنتظر داخل خيمتي. كانت تلك الساعات من أصعب لحظات حياتي. جلستُ أتخيل كيف سيكون اللقاء بهما، من سأحضن أولاً؟ ماذا سأعد لهما من طعام؟ كل دقيقة مرّت كأنها دهر.
وأخيرًا، عند الساعة الخامسة والنصف مساءً، سمعتُ أصوات السيارات التي كانت تطلق الزمامير، وترافقها صيحات الأطفال في المخيم: 'لقد وصلوا!'. لم أتمالك نفسي، خرجت مسرعة من الخيمة، أركض كالمجنونة نحو بوابة المخيم. هناك، نزلت البنتان من السيارة وركضتا نحوي. لم أصدق أن اللحظة التي كنت أنتظرها بشوق وألم قد حدثت. احتضنتهما بشدة، كانت دموعي تختلط بدموعهما، وكأن العالم كله توقف لمشاركتنا هذه اللحظة. حتى أطفال المخيم وسكانه بكوا معنا."
تتابع فداء بعد أن استعادت أنفاسها: "شكرتُ الطاقم الذي أعاد لي بناتي، وبعد أن هدأ الجو، بدأت الطفلتان ترويان لي تفاصيل معاناتهما أثناء الرحلة من الشمال إلى الجنوب، مرورًا بحواجز الاحتلال. أخبرتاني كيف وجّه الجنود المدفعية نحوهما وكيف شعرتا بالخوف والرعب الذي لا يمكن وصفه. ورغم كل هذا، كان أملهما بلقائي هو ما خفف عنهما وطأة الرحلة.
عندما وصلتا، كانتا في حالة من الضياع. في الأسبوع الأول حاولتُ بكل جهدي أن أساعدهما على استعادة توازنهما، لكن كان الأمر صعبًا. كانتا ترتجفان باستمرار، تبكيان بلا توقف، وحتى لم تتمكنا من الحديث بشكل واضح. اليوم، وضعهما أفضل قليلًا، لكن الطريق أمامنا طويل، وعليّ أن أعمل جاهدةً كي تعودا لحياتهما الطبيعية، وأن تتأقلما مع غياب والدهما وكل أفراد العائلة".
تم تفريغ وصياغة مسودة المادة من قِبل إحدى صحفيات "مركز شؤون المرأة" الفلسطيني، وحُرِرَ النص ونُقِح من قِبل ولاء عواد مع الحفاظ على المعلومات والتواريخ وجوهر الشهادة كما هو.