كل ما بقي لها "ناجٍ وحيد"
كل ما بقي لها
"ناجٍ وحيد"
قضت رانيا، الأم التي لم يتجاوز عمرها 34 عامًا، يومًا دافئًا مع أطفالها الستة. احتضنت جنى ذات الأربعة عشر عامًا، وجنات البالغة من العمر اثنتي عشرة سنة، وندى التي أطفأت شمعتها الحادية عشرة، وتالا الصغيرة ذات الأعوام الثمانية، بينما كان التوأم معاذ وجعفر، بعمر الأربع سنوات، يمرحان حولها. كان المشهد ينبض بالحب والأمان، وكأن الوقت توقف ليخلّد تلك اللحظات.
لكن الليل جاء حاملاً مأساة لا تُحتمل. خيّم الهدوء على المكان، فخلدوا إلى نومهم الأخير. في لحظة غدر، فقدت الأسرة خمسة من أطفالها، ونجا جعفر الصغير، الشاهد الوحيد على مجزرة انتزعت أشقاءه من أحضان الحياة، وتركَت والدته مبتورة القدم ومكسورة القلب.
تروي رانيا: "كنت في بيتي بمنطقة جحر الديك شرق قطاع غزة حين اندلعت الحرب في 7 أكتوبر 2023. نزحت مع زوجي وأطفالي إلى منزل أهله في مخيم النصيرات وسط القطاع، لأن منطقتنا حدودية وتُعد من المناطق الخطرة".
وتتابع: "في مساء الأربعاء، 22 مايو/أيار 2024، حوالي الساعة العاشرة ليلًا، كنت قد انتهيت من تحميم بناتي ومنحتُهن الهاتف لمشاهدة الرسوم المتحركة، وجلس جعفر بجانبهن في الصالون، بينما كنت في غرفتي وزوجي في الطابق السفلي. قبل الانفجار بدقيقة واحدة فقط، وقع الصاروخ، فاختفى كل شيء في لحظة؛ أظلمت الدنيا وصمتت الأصوات، وشعرت أن الحياة توقفت، ثم فقدت الوعي".
تضيف: "أفقت على الركام ينهال فوق جسدي، والألم يمزقني. ناديت بأعلى صوتي، لكن لم يجبني أحد. أدركت أن أذني تضررت من قوة الانفجار. سمعت بعدها بكاء طفلي في حضني، رفعت الحجارة عنه معتقدة أنه معاذ، لكنه كان جعفر. مددت يدي، وما هي إلا لحظات حتى وصلت فرق الدفاع المدني. توسلت إليهم أن ينقذوا طفلي أولًا. أخرجوه، ثم سحبوني من تحت الركام، فوضعت قدمي المبتورة في حضني. لم أحتج إلى تشخيص لأدرك أنها بُترت".
تقول رانيا: "نُقلنا إلى مستشفى العودة ثم إلى مستشفى شهداء الأقصى بدير البلح. خضع جعفر لعملية جراحية بعد إصابة مفصل قدمه اليمنى بكسور خطيرة، وكاد يُبتر لولا تحرّك أصابعه في اللحظة الأخيرة. أما أنا، فاستغرقت عمليتي أربع ساعات، ولم تُبتر قدمي الثانية رغم تهشم عظامها".
في الصباح، علمت رانيا بفاجعة استشهاد زوجها وبناتها ومعاذ، شقيق جعفر التوأم. "لم يبقَ لي أحد سوى جعفر الذي يعاني من آلام شديدة، واكتشف الأطباء أن البلاتين في قدمه وُضع بطريقة خاطئة، ما يستدعي عملية جديدة، لكنها غير ممكنة بسبب ضعف إمكانيات المستشفى".
تقيم رانيا مع طفلها في المستشفى منذ أربعة أشهر، عاجزة عن الحركة وتعاني من تقرحات مؤلمة أسفل ظهرها بسبب ملازمة السرير. تقول: "لا أملك ثمن العلاج، وأعيش على زيارات أخواتي رغم ظروفهن الصعبة. جعفر يحتاج دعمًا نفسيًا عاجلًا، أراه أحيانًا يصرخ ويحطم الأشياء، فأتركه يفرغ ألمه بطريقته. كيف ألوم طفلًا فقد كل أشقائه؟".
تختتم رانيا شهادتها قائلة:
"انظروا إليّ... امرأة مقعدة بلا حيلة، وحلمي الوحيد أن أقف على قدمي من جديد، وأن أرى جعفر يسير دون ألم. أريد أن نمضي سويًا إلى البحر، حيث يجد سعادته بين الأمواج والرمال. هو النبض المتبقي في حياتي، وسبب استمراري في مواجهة هذا العالم القاسي."