Please ensure Javascript is enabled for purposes of website accessibility
ar

يوم الفراق

calendar_monthDate: 30/11/-0001

هاتف والدتي
يوم الفراق

مرّ السابع من أكتوبر 2023، الذي أسمته جود (12 عامًا) بـ"يوم الفراق"، بين ترتيب تسريحة شعرها، وتناول إفطارها، واستعدادها للذهاب إلى المدرسة مع أختها التوأم سجى، قبل أن يُلغى اليوم الدراسي. تتذكر أيضًا طبخة ورق العنب والمحشي التي تناولتها مع العائلة بطعمها المميز، والذي ما تزال تحتفظ بنكهته في ذاكرتها.

تقول جود: "تخلّل ذلك اليوم الكثير من الأحداث، وانتهى بالقصف والانفجارات. لجأنا أنا وسجى إلى غرفتنا التي طُليت جدرانها باللون الوردي وزُيّنت بالأزهار لنلعب بألعابنا. وفي لحظات، تبخّرت كل هذه الذكريات، ومعها أسرتي الدافئة أيضًا".
تتنهد جود وتضيف: "لا أحب الحديث كثيرًا عمّا جرى معي، ولا عن تفاصيل وذكريات عائلتي. أفضل أن أخبئها في قلبي الصغير لتبقى لي وحدي".

قُتلت عائلة جود بأكملها إثر استهداف جيش الاحتلال الإسرائيلي للعمارة التي كانوا يقطنونها في جباليا بصاروخ واحد، خلّف 60 ضحية توزعت على الطوابق الخمسة، من بينهم والدتها (30 عامًا)، ووالدها (36 عامًا)، وأشقاؤها حسام (7 أعوام)، ومحمد (4 أعوام)، وسجى (12 عامًا)، وجدها، وأعمامها وأسرهم، وعماتها وأقارب لجأوا إلى العمارة نفسها. كان ذلك في 11 نوفمبر/تشرين الثاني 2023 بعد منتصف الليل.

تقول جود: "مسح صاروخ واحد عائلات بأكملها من السجلات المدنية. كنتُ الناجية الوحيدة بفضل الصدفة؛ ففي ذلك اليوم، انتقلت عائلة والدتي إلى مدرسة الرفاعي الملاصقة لمنزلنا بعد فرارهم من عزبة عبد ربه شرق جباليا، بينما قررت أنا وسجى قضاء الليلة مع جدتي. لكنها غيّرت رأيها فجأة وعادت إلى المنزل... عادت إلى قدرها".

تروي جود: "خلدت إلى النوم في حضن جدتي، لأستيقظ على صوت انفجار هزّ المدرسة. صرخ النازحون: المستهدف هو بيت عائلتي. شعرتُ وكأن الدم تجمد في عروقي. لم أتمكن من الحركة أو الكلام".

 
ألم الذاكرة
في الصباح التالي، تسللت جود خفية لتتفقد منزلهم. تقول: "لم أصدق ما يُقال حتى رأيت الركام بعيني. لم يتبقَّ شيء سوى الحجارة المبعثرة. بكيت بلا توقف حتى وجدتني جدتي واحتضنتني بقوة".

بعد يومين، سُلّمَت جود هاتف والدتها، الناجي الوحيد من تحت الأنقاض، وقد أصبح بمثابة ذاكرة حيّة تحتفظ بصور العائلة. تقول: "كنت أعود إلى الأنقاض كل يوم بحثًا عن ناجٍ، لكني لم أتحمل المشهد، فطلبت من جدتي أن ننزح جنوبًا".

وصلت جود مع جدها وجدتها وأخوالها إلى مدينة دير البلح سيرًا على الأقدام يوم 14 نوفمبر 2023، وسط مشاهد الرعب والدمار. هناك، نصبوا خيمة صغيرة قرب كلية فلسطين التقنية، لتبدأ معها حياة النزوح من جديد.

تقول جود: "ظننت أنني سأجد في الجنوب نسيانًا، لكن الشوق إلى مدينتي وإلى والديّ أقوى. لو استطعت، لبنيت خيمة فوق الركام لأبقى قريبة منهم".

تختم جود قائلة: "ما مررت به جعلني أكبر قبل أواني. أكتب لأفرّغ مشاعري، لكن الدموع تسبق الكلمات. سأظل أكتب لأحافظ على ذكراهم حيّة في قلبي".