Please ensure Javascript is enabled for purposes of website accessibility
ar

رحمة كنعان - حكاية لاجئة لا تنتهي

calendar_monthDate: 30/11/-0001

حظٌّ قديمٌ جديد

وُلدت رحمة عام 1954 لعائلة فلسطينية هُجِّرت قسرًا من قريتها قديتا المحتلة في قضاء صفد. ترعرعت في مخيمات اللجوء بلبنان، وهناك بنت عائلتها وأنجبت ابنتين وثلاثة أبناء. ورغم عمرها الذي قارب السبعين، ما تزال تعيش مأساة النزوح.

تقول رحمة بشجن يعكس عقودًا من الحنين والألم:
"كبرنا في المخيمات واعتدنا حياة اللجوء، لكنها لم تسلبنا حلم العودة. ما لم ولن أعتد عليه هو فكرة التخلي عن الوطن. كما هُجِّر أهلنا في الماضي، لا أقبل أن نعيد تلك التجربة. فلسطين ليست مجرد أرض، إنها حضن لا يُعوَّض، وهواء لا يشبهه أي هواء، ولا أرض تُغنيني عنها مهما كانت رحبة."

في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، ومع الساعات الأولى لاندلاع الحرب، بدأ جيش الاحتلال الإسرائيلي بإخلاء المناطق السكنية في غزة تحت وطأة القصف العنيف، ثم أُجبر السكان على النزوح جنوبًا نحو وادي غزة، ومن بينهم رحمة، التي كانت تسكن في حي تل الهوى جنوب غرب المدينة.

تروي رحمة تلك اللحظات قائلة:
"أُجبرنا على مغادرة بيوتنا تحت ضغط الصواريخ والأحزمة النارية. وبعد أسبوع فقط، في يوم السبت 14 أكتوبر/تشرين الأول 2023، غادرت منزلي تاركةً خلفي ذكريات عمري وتاريخي الذي صنعته منذ قدومي من تونس إلى غزة عام 1996."
تضيف: "للأسف، كررت الخطأ ذاته الذي ارتكبه أهلي في النكبة، حين قالوا: أسبوعان ونعود. لم أحمل معي سوى بعض الحاجيات ومفتاح البيت. فذهب البيت وبقي المفتاح، ليضاف إلى سلسلة مفاتيح النكبة منذ عام 1948. دمّر الطيران الحربي الإسرائيلي منزلي كما دمّر منازل أبنائي، وضاع شقاء العمر."

لجأت رحمة مع اثنين من أبنائها وعائلاتهما إلى مستشفى القدس هربًا من بطش الاحتلال. وفي صباح الأحد 15 أكتوبر/تشرين الأول، اضطروا للنزوح إلى منزل أقاربهم في غزة، حيث مكثوا ثلاثة أيام. لكن بعد اشتداد القصف وتصاعد الضغوط من جيش الاحتلال للإخلاء، أُجبروا على النزوح مجددًا إلى الجنوب في 19 أكتوبر.

تقول رحمة:
"توجهنا إلى خان يونس متحملين عناء التنقل وتكاليفه الباهظة. شعرت أن المسافة بيني وبين غزة، موطن ذكرياتي، باتت أكبر من أي وقت مضى. اليوم أعيش ما عاشه أجدادنا من ألم النزوح وترك البلاد، في تجربة متكررة للنفي وعدم الاستقرار."

ورغم الظروف القاسية، يساهم أحد أبنائها متطوعًا في تعليم أطفال المخيمات، رغم كونه اختصاصيّ تغذية. تقول عن جهوده:
"بعد أن رأى الأطفال يتسكعون في الشوارع ويتأخرون عن مقاعد الدراسة، شعر بالأسى على حالهم، وقرّر أن يُساهم في تعليمهم، ليس فقط كاختصاصيّ تغذية، بل كأبٍ ومسؤولٍ مجتمعيٍّ يحمل همّ هؤلاء الصغار."

أما ابنها الآخر، الذي كان يعمل في قسم الأشعة بالمستشفى الإندونيسي، فقد التحق بطواقم مستشفى ناصر الطبي في الجنوب بعد إجبارهم على إخلاء المستشفى.

لكن مع استمرار الحرب، ازدادت معاناة رحمة وعائلتها. ففي 7 ديسمبر/كانون الأول 2024، طالب جيش الاحتلال بإخلاء مدينة خان يونس. اضطرت العائلة للنزوح جنوبًا إلى منطقة الفخاري، حيث عاشوا ظروفًا قاسية على مدار خمسة أشهر بسبب نقص السكن وارتفاع تكاليف النقل وغلاء المعيشة.

في مايو/أيار 2024، وبعد انسحاب جيش الاحتلال من مناطق وسط خان يونس، عادت العائلة إلى المدينة مجددًا، لكنها لم تجد الأمان:
"نزحنا مرارًا هربًا من الموت، بحثًا عن أمان نفتقده وسط هجمة شرسة وحرب إبادة جماعية تفرضها قوات الاحتلال الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني عامة، والغزيين خاصة."

سكنت رحمة في بيت أقارب لها وعاشت مع عائلتها لشهرين محاولةً التعايش والتأقلم مع الوضع. لكن سرعان ما اضطرت للنزوح مرة أخرى بعد أن طالب جيش الاحتلال الإسرائيلي بإخلاء مدينة خان يونس للمرة الثانية يوم الاثنين 22 يوليو/تموز 2024، فتوجهت إلى مدينة دير البلح وسط القطاع، حيث لجأت إلى بيت صديقة لها.

تقول رحمة:
"استأذنت صديقتي المسافرة أن أبقى عند أبنائها في مدينة دير البلح، ووجدت ترحيبًا منهم خفف عني الألم. أنقذوني من العيش في الخيام، خاصة أن النزوح كان في أشهر الصيف الحارة. لم أتمكن من البقاء مع ابنيَّ في الخيام بسبب الظروف القاسية، حيث الشمس الحارقة والرمال والحشرات، وهو وضع لا يُطاق."

حاليًا، تعيش رحمة كنعان متنقلةً بين بيت صديقتها وبيت أحد أبنائها الذي عاد إلى مدينة خان يونس يوم الخميس 22 أغسطس/آب 2024، بعد انسحاب جيش الاحتلال الإسرائيلي وإعلانه عن "المناطق الآمنة".
لكنها تعلق على ذلك بقولها:
"لا أمان في مناطقهم الآمنة. الضرب والقصف وأصوات طائرات الاستطلاع ما زالت تملأ الأجواء وتزيد خوفنا، ليس على أنفسنا فقط، بل على الأطفال الذين لا حول لهم ولا قوة."

ليست هذه المرة الأولى التي تعيش فيها رحمة حياة الحرب الدامية، إذ تضج ذاكرتها بماضٍ قاسٍ من الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على قطاع غزة. تقول:
"تعودنا على جرائم الاحتلال الإسرائيلي. سابقًا، فقدت 51 فردًا من عائلتي، بما فيهم والدي ووالدتي وإخوتي وأخواتي وأبناء عمومتي، خلال مجزرة تل الزعتر عام 1976."

وتضيف:
"في مجزرة صبرا وشاتيلا فقدت ابني ماهر، الذي كنت أظن أنه بقي مع والده وأخته ميمنة في لبنان. لكنني اكتشفت بالصدفة، أثناء قراءتي لإحدى المجلات الفلسطينية في تونس بعد مغادرتي لبنان عام 1982، أنه قُتل على يد جيش الاحتلال الإسرائيلي."

أما ابنتها ميمنة، التي انقطعت أخبارها لأكثر من 23 عامًا، فقد اعتقدت رحمة أنها توفيت. لكنها اكتشفت لاحقًا أنها ما زالت على قيد الحياة، وذلك عن طريق الصدفة أيضًا.
تسترجع ذكريات اللقاء معها بقولها:
"جمعتني بها فضائية أبو ظبي في لقاء كان ولا يزال يمثل ما يعيشه الشعب الفلسطيني من معاناة التهجير والنزوح وفقدان الأخبار والسبل للتواصل مع الأحباب."

تروي رحمة أيضًا حادثة فقدان ابنها الآخر قائلة:
"كان ابني في طريقه إلى المخبز لشراء الخبز، فأصابه طلق ناري من بنادق جيش الاحتلال الإسرائيلي أودى بحياته."
وتضيف: "منذ ذلك اليوم، وأنا أوزّع الخبز عن روحه تكريمًا لذكراه. وما أشبه اليوم بالأمس، فها نحن نقاتل من أجل الحصول على الدقيق ورغيف الخبز الذي بالكاد نستطيع إيجاده. لم تمرّ علينا حرب كهذه من قبل."

تعاني رحمة من النزوح المتكرر والجوع والعطش، إضافة إلى ممارسات الاحتلال الإسرائيلي المتعمدة لمنع وصول المساعدات الغذائية إلى المدنيين في قطاع غزة. تعبّر عن شعورها بالعجز قائلة:
"أشعر بالعجز حيال أحفادي، فأنا لا أستطيع إيقاف هذه المهزلة من نزوح وتشريد. أصبحت وجوههم شاحبة بسبب تعرضهم المستمر للشمس، وانتظارهم على طوابير الطعام والمياه الحلوة والمالحة. هؤلاء الأطفال، الذين يجب أن يكونوا على مقاعد الدراسة، يقفون في الشوارع ويبيتون في بيوت ليست بيوتهم أو خيام لا تقيهم حرّ الصيف ولا برد الشتاء."

ورغم كل هذا الألم، تحاول رحمة الحفاظ على عاداتها اليومية قائلة:
"أمشي يوميًا في الشوارع والطرقات، أنظر في عيون المارّة لأقرأ ما يجول في خواطرهم، وأدوّنه في ذاكرتي. أكتب من وحي هذه اللحظات ديوانًا شعريًا قررت نشره بعد انتهاء الحرب. أمّا المفتاح، فلن يفارق جعبتنا، ليبقى شاهدًا على نزوحنا القسري وهمجية الاحتلال الإسرائيلي."