Please ensure Javascript is enabled for purposes of website accessibility
ar

مدينة منكوبة

calendar_monthDate: 30/11/-0001

مدينة منكوبة – عودة أيلول
"رفضنا بشدة فكرة الرحيل عن منازلنا، واعتبرنا البقاء قرارًا لا رجعة فيه. كنا متحدين في هذا الخيار رغم الخوف الذي زرعته المناشير المتساقطة والاتصالات المتكررة من جيش الاحتلال الإسرائيلي، التي كانت تمهِّد لاجتياحٍ بريٍّ لمدينة خان يونس مطلع ديسمبر 2023"، تقول أمل، البالغة من العمر 23 عامًا، وهي إحدى سكان حي الشيخ ناصر في قلب مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة.

وتتابع أمل حديثها: "كان بيتنا مكتظًا بالنازحين من العائلة، حيث اجتمع تحت سقفه ثلاثون شخصًا، تتراوح أعمارهم بين جدتي ذات الثانية والسبعين عامًا، وأصغر رضيع وُلد نهاية نوفمبر 2023. بيننا والدي البالغ من العمر 54 عامًا، والذي يعاني من سرطان الكبد، وعمتي المصابة بسرطان الغدة، وأربعة أطفال أكبرهم لا يتجاوز الثامنة وأصغرهم في الثالثة. رغم المرض ورغم كل التهديدات، تمسكنا بالبقاء، وقررنا معًا مواجهة المصير في بيتنا."

تقول أمل: "في صباح يوم السبت 9 ديسمبر/كانون الأول 2023، شعرت بنذير شؤم، وانتابني بكاء شديد. وفجأة، دون أي سابق إنذار، وجدت نفسي تحت الركام وقد تحوّل المكان إلى ظلامٍ دامس. ربما كانت دقائق أو ثوانٍ فقط، لكنها بدت كالأبدية. ظننت حينها أنني وأهلي قد صرنا في عداد الأموات. حاولت أن أزيل التراب والأنقاض عني، وبفضل الله تمكنت من رفعها والخروج سالمة. رأيت أخي البالغ من العمر 19 عامًا يحمل أخي الصغير (5 أعوام)، وكنا جميعًا في حالة من الذهول. لجأنا إلى الطابق الأرضي، وحددت لعمي أماكن وجود والدي ووالدتي وأخواتي قبل القصف، فسارع لإنقاذهم من تحت الركام وتمكن من إخراجهم أحياء."

تضيف أمل: "كان حزامًا ناريًا قد ضرب المنطقة، مما أدى إلى سقوط أربع بنايات سكنية، وانتقال الشظايا إلى بيتنا، وأحدث ذلك أضرارًا كبيرة في المنزل. ناشدنا الصليب الأحمر لإخراجنا بعد اشتداد القصف واقتراب الآليات العسكرية وأصوات المدافع المرعبة، لكنهم ردّوا بأن مدينة خان يونس أصبحت منطقة عسكرية مغلقة، وأن علينا التزام أماكننا وعدم الخروج."

مرت على أمل وعائلتها أيامٌ وشهورٌ عصيبة، حيث بدأت الدبابات العسكرية بالتجول في شوارع المدينة، وغطّى الدخان الأسود الأجواء. تقول أمل: "كانت المدينة تشتعل فعليًا، حتى السماء تحولت إلى اللون الأسود. رأينا الجرافات الضخمة التي يبلغ ارتفاعها ما يقارب طابقين من البنايات السكنية، إضافة إلى جيب كبير يشبه القفص يرتفع إلى مستوى الطابق الأول. كما شاهدنا المروحيات والدبابات المحمّلة بالجنود، حيث يقف على فوهة كل دبابة جنديان مدججان بالسلاح. رأينا كل ذلك بأعيننا لأن منزلنا يقع بالقرب من شارع صلاح الدين، بين دوّار بني سهيلا ودوّار التحلية، وهو أحد الشوارع الرئيسية التي اقتحمتها الآليات العسكرية أثناء دخولها المدينة."

مكثت أمل في بيت جدها بالطابق الأرضي، في غرفة قديمة مبنية من الطين تشبه في تصميمها ملاجئ العصر الحديث، إذ تتكوّن من طبقتين من الحجارة، مما يوفر عزلًا جيدًا للصوت. وكان باب الغرفة يطل على ممر اجتمع فيه الثلاثون جميعهم.

تروي أمل: "عملنا على إغلاق النوافذ بقطع قماش، وأطفأنا هواتفنا، مع إبقاء هاتفٍ واحد فقط مشحون لأطول مدة ممكنة للاستماع إلى الأخبار عبر الراديو. كان هذا الهاتف يُشحن باستخدام بطارية، وأحيانًا كان ابن عمتي يتسلل إلى منزل الجيران الذين تركوا خلفهم ألواح طاقة شمسية. أما الإضاءة، فقد صمدت البطاريات طوال فترة الحصار وكأنها اكتسبت عمرًا إضافيًا، مما أثار دهشتنا."

تصف أمل الصعوبات في توفير المأكل والمشرب في ظل عدم القدرة على التحرك خارجًا، حيث باتت المنطقة خالية من السكان والأسواق وكل ملامح الحياة. تقول: "كان عمي وابن عمتي يخرجان يوميًا تقريبًا للتسلل إلى البيوت المجاورة والدكاكين عبر الأزقة وتحت المظلات لجلب الحاجات الأساسية من طعامٍ وشراب. على سبيل المثال، جلبا لنا أنابيب الغاز، لأنه كان من الصعب إشعال النار وإيجاد الحطب. كنا نسجّل كل ما نأخذه في دفتر لتسديد ديوننا لاحقًا، حتى أننا دفعنا 700 شيكل لصاحب البقالة بعد فك الحصار."

وتضيف: "مع ذلك، لم يكن توفير المأكل والمشرب أمرًا هيّنًا؛ فقد اضطررنا لأكل الطعام الفاسد وشرب المياه غير الصالحة للشرب. كنا ننخل الدود والزجاج من الدقيق، وحتى العفن كنا نزيله ونأكل ما تبقّى منه، بينما خصصنا الدقيق الجيد للمرضى والأطفال."

ورغم الحالة المأساوية التي عاشتها العائلة في مدينة خان يونس، التي دمّرها جيش الاحتلال الإسرائيلي وأخلاها من سكانها، تقول أمل: "بقينا في المدينة نحن والطيور والكلاب والقطط والدواجن والماعز والخرفان. كنا نرمي لها فتات الطعام رغم شحّه، واستحرمنا أكلها، باستثناء دجاجتين ذبحناهما لوالدي عندما اشتد عليه المرض. عرضنا على أصحابها ثمنهما بعد عودتهم، لكنهم رفضوا."

وتتابع: "اشتد المرض على والدي وبدأ بفقدان الوعي حتى صار طريح الفراش. كان عمي يجلب له الأدوية من بيوت الجيران والصيدليات القريبة قدر المستطاع. ولكن في يوم السبت، 2 مارس 2024، وبالتزامن مع انسحاب جيش الاحتلال الإسرائيلي من دوّار بني سهيلا، بدأ الناس بالعودة للاطمئنان على بيوتهم. حينها قررت عمتي النزوح مع عائلتها المكوّنة من 11 شخصًا، فخرجوا صباحًا. وفي الليلة ذاتها اشتد المرض على والدي ووافته المنية."

تضيف أمل: "مع صباح يوم الأحد 3 مارس 2024، حمل عمي وابن عمتي والدي في بطانية وتوجها به مشيًا على الأقدام، بعد تواصلهما مع أفراد العائلة الذين انتظروهما في أقرب نقطة آمنة بواسطة توكتوك، ثم نقلوه إلى مستشفى غزة الأوروبي، ومن هناك إلى مدينة رفح لدفنه في مقبرتها."

وتستطرد: "كان موت والدي رحمة له ولنا. فعندما خرجا لدفنه، اكتشفا طرقًا يمكن أن توصلهما إلى الحياة. جلبا لنا خضارًا وفواكه وأطعمة كثيرة، فشبعنا لأول مرة منذ أشهر."

"عايشنا العديد من الأحداث المخيفة والمروعة. ففي يوم الاثنين، 9 يناير/كانون الثاني 2024، وأمام أعيننا، عاد أربعة شبّان من أبناء جيراننا إلى منزلهم على دراجاتهم الهوائية. دخلوا المنزل ثم خرجوا مجددًا، وبعد وقت قصير قصفهم جيش الاحتلال بصاروخ استطلاع، مما أدى إلى مقتل أحدهم على الفور، بينما انفصل اثنان آخران عن المجموعة، في حين كان الرابع داخل المنزل. حاول الثلاثة طلب المساعدة، وسمعنا صافرات سيارات الإسعاف عند دوّار التحلية، لكن جيش الاحتلال أطلق قذائف صوتية مرعبة لتعطيل وصول الإسعاف، وظلّ الشباب ينزفون حتى الظهيرة قبل أن تستهدفهم طائرة حربية وتدمّر المنزل على رؤوسهم."

وعن الحصار الذي استمر ثلاثة أشهر، تقول أمل: "من المفارقات المضحكة المبكية أننا أصبحنا محنّكين عسكريًا. صرنا نعرف اتجاه الطيران وأنواعه. رأينا طائرات الكوادكابتر المسيّرة عن قرب، وطائرات الاستطلاع المخصّصة للمراقبة أو الحاملة لصاروخ أو صاروخين. أما تحركات الدبابات، فقد حدثت ثلاث مرات ثم بدأت تقل تدريجيًا. استمرت الحياة، لكن نفوسنا تغيّرت. أصبحنا نضحك بشكل هستيري ونتحدث بصوت عالٍ. حتى إن الدورة الشهرية انقطعت عني وعن ابنة عمي من شدّة الرعب."

وتضيف: "في يوم الخميس، 7 مارس/آذار 2024، وبعد انسحاب جيش الاحتلال إلى أطراف المدينة، رأينا الشمس أخيرًا. كان ذلك بمثابة شهادة ميلاد جديدة لنا. بدأ الناس يتوافدون من مناطق نزوحهم للاطمئنان على بيوتهم، واندَهشوا عندما علموا أننا ما زلنا على قيد الحياة بعدما أيقنوا بموتنا."

وتتابع أمل: "في يوم الاثنين، 22 يوليو/تموز 2024، تكررت تجربة النزوح القسري. اتصل الجيش بعمي وقال له: عليك إخلاء منطقتك، ففي المرة السابقة ضُبطت معك، ولا أضمن لك هذه المرة. عليك الإخلاء إلى معسكر خان يونس." ثم أغلق السماعة في وجهه.
وفي صباح الثلاثاء، 23 يوليو/تموز 2024، نزحنا إلى حي الكتيبة وسط مدينة خان يونس، ومكثنا هناك شهرًا كاملًا. بعدها عدنا يوم الجمعة، 23 أغسطس/آب 2024. لكن بعد يومين فقط عادت الاتصالات إلى الهواتف، فنزحنا جميعًا إلى منطقة المواصي، حيث أقمنا في خيمة لمدة شهر آخر. وفي يوم الأربعاء، 25 سبتمبر/أيلول 2024، عدنا إلى بيتنا."

وتختم أمل حديثها قائلة: "حتى هذه اللحظة، أتمنى أن تنتهي الحرب. لا أريد أن أنزح أو أُحاصَر مرة أخرى. فالحرب ألمٌ ومعاناةٌ وقهرٌ وذلٌّ لكل من يعايشها."