🕊️ من نزوحٍ إلى نزوح
ليس من السهل أن يفقد الإنسان الأمان في وطنه، فيتحول إلى مشرّدٍ ومهجَّر، يفرّ من مكان إلى آخر وسط القصف والموت والدمار، بحثًا عن ملاذٍ آمنٍ لأطفاله.
هذا هو واقع فاتن (35 عامًا)، إحدى سكان مخيم جباليا شمال قطاع غزة، التي اضطرت للنزوح القسري أكثر من إحدى عشرة مرة خلال الحرب الإسرائيلية.
تسترجع فاتن تفاصيل يوم الجمعة الموافق 1 ديسمبر/كانون الأول 2023، قائلة:
"كنت أجلس في بيتي مستمتعة بالراحة والهدوء بعد أن انتهيت من تحميم ابنتيَّ مرح (6 أعوام) وفرح (4 أعوام)، وجلست أُسرّح شعرهما، مطمئنة لا أعلم ما الذي ينتظرنا. فجأةً، دوّى صوت انفجارٍ هائلٍ هزَّ المكان، أرعبنا بشدة. هرعتُ إلى الأسفل لمعرفة مصدر الصوت، وما إن وصلت إلى منتصف الدَّرج حتى غطّى الغبار الكثيف المكان، فلم نعد قادرين على رؤية بعضنا البعض. تعالت صرخات الأطفال والنساء طلبًا للنجدة، وكأنها القيامة. ما أصعب ذلك المشهد عندما ترى القذائف تنهال على منزلك، حتى بتُّ مقتنعة بأننا سنُستشهد جميعًا."
لاحقًا، اكتشفت فاتن أن الانفجار نجم عن قصفٍ إسرائيليٍّ لمنزل أحد الجيران المقابل لهم. وتضيف قائلة:
"اضطررنا للنزول إلى منزل عائلة زوجي، حيث تجمعنا في غرفة صغيرة مساحتها أربعة أمتار فقط، مع العشرات من الجيران الذين هرعوا بحثًا عن الأمان. كنا نحو مائة شخص في مكانٍ ضيّقٍ لا يصلح حتى لإيواء عائلة واحدة."
لم يدم البقاء طويلًا، ففي اليوم التالي، السبت 2 ديسمبر/كانون الأول 2023، اضطرت فاتن وعائلتها إلى النزوح الأول باتجاه مدرسة النقب في جباليا. لكن القصف الإسرائيلي لم يهدأ، ما أجبرهم مجددًا على النزوح يوم الجمعة 15 ديسمبر/كانون الأول 2023 إلى منزل والد زوجها، الذي لا يبعد سوى شارعين عن بيتها. ورغم ذلك، استمر القصف العنيف، ليصبح البقاء هناك خطرًا على حياتهم.
تتابع فاتن روايتها:
"نزحنا للمرة الثالثة يوم الجمعة 22 ديسمبر/كانون الأول 2023 إلى جمعية اتحاد الكنائس في وسط مدينة غزة، مشيًا على الأقدام. كنت أحمل بعض الأكياس التي تحتوي على ملابسنا وبعض الحاجيات التي تمكنا من إنقاذها. في الطريق، أُغمي عليّ من شدة التعب والجوع والعطش، فلم يكن معنا طعام ولا شراب. كنا برفقة والد زوجي، وجميعنا في حالة يُرثى لها، نسير تائهين وسط الخوف والرعب."
تضيف فاتن:
"سِرنا لساعاتٍ طويلة وسط طريقٍ محفوفة بالمخاطر. كنت أرتدي ملابس الصلاة، بينما كانت طفلتاي حافيتَي القدمين، فلم يمنحنا الاحتلال الفرصة حتى لارتداء ملابسنا بشكلٍ كامل. خلال الرحلة، أصيبت ابنتي فرح بجرحٍ في قدمها، فبكت طويلًا من الألم، ولم أستطع فعل شيء سوى مواساتها. ما ذنب هاتين الطفلتين لتعيشا هذه المعاناة؟ وكأن ذلك لم يكن كافيًا، فابني الأكبر (20 عامًا) أصيب بشظية صاروخٍ في قدمه، وهو مريض بالسكري، ما اضطر الأطباء إلى بتر أحد أصابعه، في حين أن زوجي يعاني من ارتفاع ضغط الدم."
ما تعانيه فاتن هو صورة مصغّرة لمأساة يعيشها آلاف الفلسطينيين في قطاع غزة، حيث لا يجدون ملجأ آمنًا وسط نيران الاحتلال، فيتحول النزوح إلى قدرٍ محتومٍ يطاردهم أينما حلّوا، دون أي بصيص أمل في نهايةٍ قريبة لهذه المعاناة.
"بقينا خمسةً وعشرين يومًا في الجمعية، ثم عدنا إلى منزلنا يوم الأربعاء 10 يناير/كانون الثاني 2024، بحثًا عن الأمن والراحة في بدروم العمارة، لكننا صُدمنا عندما وجدناه غير صالحٍ للسكن وآيلاً للسقوط. كانت الأعمدة مكسّرة، والسقف مائلًا، وكل شيء محترقًا ومتفحمًا. لم يبقَ لنا متاع أو ملابس أو أثاث أو أدوات منزلية، ورغم ذلك مكثنا فيه عشرين يومًا قبل أن تتكرر مأساتنا بالنزوح مجددًا."
عادت فاتن مع أسرتها مرة أخرى إلى مدرسة النقب في جباليا يوم الخميس 1 فبراير/شباط 2024، دون أن تحمل معها أي شيء. وبعد فترةٍ وجيزة، تلقّوا تهديدًا بإخلاء المدرسة، ليجدوا أنفسهم مضطرين للنزوح مرةً أخرى.
"في يوم الأربعاء 10 أبريل 2024، توجهنا سيرًا على الأقدام إلى مبنى هيئة التقاعد في غزة بسبب انعدام وسائل النقل. لم نجد مكانًا للجلوس سوى في الطابق الخامس، وعانينا من غياب المياه والكهرباء والطعام، وانعدام الخصوصية. مكثنا هناك لبعض الوقت، لكن الحرب ازدادت ضراوة، مما اضطرنا للنزوح مجددًا إلى مدرسة دار الأرقم في الجلاء يوم الأربعاء 15 مايو/أيار 2024، حيث مكثنا أسبوعًا وسط القصف العنيف. لم نتوقف عن سماع دوي المدافع والطائرات الحربية، بينما كانت الدبابات تجوب المنطقة، ما جعل النوم مستحيلًا. كما تعرّض مسجد دار الأرقم القريب للتهديد، فاضطررنا إلى النزوح مجددًا."
"وفي يوم الأربعاء 22 مايو/أيار 2024، لجأنا إلى جيران عائلتنا في منطقة الزرقا، لكن القصف العنيف أجبرنا على الرحيل مجددًا إلى منطقة الصناعة يوم الخميس 30 مايو/أيار 2024، حيث مكثنا ثلاثة أسابيع في أوضاعٍ معيشيةٍ قاسية. لم يكن هناك يومٌ واحد نشعر فيه بالأمان أو الراحة."
استمرّ النزوح وكأنه قدرٌ على فاتن وعائلتها. تصف فاتن نزوحها قائلة:
"سِرنا لمسافاتٍ طويلةٍ على الأقدام، منهكين من التعب والخوف، حتى نزحنا يوم الجمعة 21 يونيو/حزيران 2024 إلى مدرسة نسيبة في جباليا. تواصلت المجازر الإسرائيلية بحق المدنيين من قتلٍ وتدميرٍ وتشريد، حتى هدّد جيش الاحتلال المنطقة بالقذائف والصواريخ والقنابل الدخانية. هرعنا للفرار يوم الاثنين 1 يوليو/تموز 2024، دون أن نعلم إن كنا سنرى الصباح من جديد."
عقب اجتياح جباليا الأخير يوم السبت 5 أكتوبر/تشرين الأول 2024، لجأت فاتن إلى مدرسة يافا، حيث واجهت مع أسرتها معاناة لا توصف؛ لا مياه، لا طعام، ولا حتى مرافق صحية، واضطروا للنوم في خيمة صغيرة.
"لاحظنا قلة عدد النازحين في المدرسة، دون أن ندرك أنها كانت مهددة بالقصف من قبل جيش الاحتلال. بعد يومين فقط، أُلقيت مناشير تأمر بإخلائها، فخرجنا يوم الاثنين 7 أكتوبر/تشرين الأول 2024، باحثين عن مأوى جديد للنجاة.
نزحنا إلى مدرسة عبد الفتاح حمود، وما زلنا فيها حتى الآن، نعيش أوضاعًا اقتصادية كارثية. الحرب دمّرت حياتنا بالكامل، لا طعام، لا ماء، لا نوم، لا راحة، ولا مساعدات، وانعدم الأمن والأمان. زوجي فقد عمله كعامل، وارتفعت الأسعار بشكلٍ جنوني، حتى أصبحنا نعيش على التكيات الخيرية، في حالةٍ من الذل والمهانة غير المسبوقة."
تختتم فاتن شهادتها قائلة:
"لاحقًا، فقدتُ منزلي بالكامل. قصفته طائرات الاحتلال الإسرائيلي بالصواريخ الحربية، وبعد أن كان مبنى من أربعة طوابق مجهزًا بكل شيء، تحوّل إلى كومةٍ من الحجارة."