Please ensure Javascript is enabled for purposes of website accessibility
ar

 لحظات عصيبة

calendar_monthDate: 30/11/-0001

 لحظات عصيبة

لم تعد سامية (40 عامًا)، من سكان مدينة غزة، قادرة على إحصاء عدد المرات التي نزحت فيها قسرًا خلال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، إذ تجاوزت إحدى عشرة مرة. وفي كل مرة، تعيش هول الصدمة والخوف من المجهول في المكان الذي ستلجأ إليه.

عانت سامية من نزوح متكرر، من منزلها إلى أماكن زعم جيش الاحتلال الإسرائيلي أنها آمنة، لكنه استهدفها بصواريخه ومدفعيته، فدمّرها وأوقع عشرات الضحايا بين قتيل وجريح أمام عينيها. وقد زادت معاناتها كونها مسؤولة عن أربعة أبناء، إلى جانب زوجها المصاب.

بقيت سامية في منزلها من السابع من أكتوبر حتى بداية ديسمبر/كانون الأول 2023، وخلال هذه الفترة استضافت في بيتها أكثر من خمسين شخصًا، بينهم أخوات زوجها مع عائلاتهن. وتصف تلك الأيام بقولها: "كانت أيامًا لا يمكن وصفها، عشنا بين الخوف والرعب والجوع، وسط نقص في المياه وأساسيات الحياة، إضافة إلى ازدحام المكان بعدد كبير من الأشخاص."

في 2 ديسمبر/كانون الأول 2023، سجلت سامية أول نزوح لها من حي التفاح شرق غزة، برفقة زوجها (47 عامًا)، الذي يعمل خياطًا، وأبنائها أنس (22 عامًا)، وعبد الرحمن (19 عامًا)، وهاني (16 عامًا)، وهيا (12 عامًا). انتقلوا إلى منطقة النفق بعد تعرض حيهم لغارات عنيفة، لكن المأساة لم تتوقف هنا، إذ فقدت في ذلك اليوم زوج ابنتها، وهو ابن عمتها، إلى جانب والدته وإخوته، حيث استشهدوا جميعًا إثر قصف المنزل الذي لجؤوا إليه. وتقول سامية بحزن: "نجت ابنتي لأنني طلبت منها أن ترافقنا حتى يستقر زوجها في مكان معين."

عاشت سامية فاجعة فقدان زوج ابنتها، خاصة أن الأخيرة كانت في شهور حملها الأولى. وتتابع: "كان فقدانه صعبًا، ليس فقط لأنه زوج ابنتي، بل لأنه أيضًا ابن أخت زوجي التي استشهدت معه. كانت تعيش معي في المنزل لأكثر من شهرين." وسط هذا الألم، قرر زوجها تفقد المنزل في 4 ديسمبر/كانون الأول 2023، لكنه أصيب إصابة بالغة في الرأس إثر قذيفة استهدفت غرفة النوم التي كان متواجدًا فيها، كما أصيب أحد أبنائها إصابة طفيفة.

تلقت سامية الخبر فهرعت إلى المنزل مع أبنائها، لكنها لم تستطع نقل زوجها إلى المستشفى، حيث كانت جميع المرافق الطبية محاصرة. تضيف: "أجرينا له إسعافات أولية بما توفر لدينا من مواد، وبحث أولادي عن طبيب أو ممرض، إلى أن تمكنوا من إحضار ممرض أخبرنا أن وضعه حرج، وأن شظية استقرت بين حاجبيه، ما أدى إلى دخوله في حالة موت سريري، وأصبح قاب قوسين أو أدنى من مفارقة الحياة."

عاشت سامية وأبناؤها لحظات عصيبة، وهم يشاهدون زوجها يحتضر دون أن يتمكنوا من فعل شيء لإنقاذه. تقول بألم: "لم نتمكن من توفير العلاج له، ولم يكن لدينا المال اللازم لإجراء العمليات، خاصة عملية نزع الشظية التي كانت ظاهرة في أعلى وجهه. ظل يعاني منها لمدة 58 يومًا، كنا نشاهدها ونرى أوجاعه دون أن نستطيع فعل شيء، كنت أموت في اليوم مئة مرة وأنا عاجزة عن تخفيف ألمه."

ورغم الألم الذي كان يعيشه زوج سامية، اضطرت الأسرة إلى النزوح مرة أخرى بعد تهديد جيش الاحتلال لحي التفاح يوم الجمعة 29 ديسمبر/كانون الأول 2023. تقول سامية: "نزحنا إلى مستشفى المعمداني، حيث خضع زوجي لعملية جراحية. جلسنا بجانبه جميعًا داخل غرفة المرضى لمدة خمسة أيام، لكن الطبيب كتب له ورقة خروج رغم أن حالته الصحية كانت لا تزال خطيرة، فانتقلنا إلى منزل أخي زوجي في منطقة الساحة وسط مدينة غزة، وبقينا هناك أسبوعًا، قبل أن يطلب منا جيش الاحتلال مغادرة المنطقة تمهيدًا لاجتياحها."

خرجت سامية وعائلتها دون أن تعلم وجهتها، إذ لم يكن هناك مكان آمن في غزة. تروي بمرارة: "أخذت زوجي إلى مستشفى الصحابة، حيث أُجريت له عملية جراحية جديدة نظرًا لتدهور وضعه الصحي. بقينا في المستشفى لمدة أسبوع، ثم خرجنا وعدنا إلى منزلنا في حي التفاح. بقينا هناك أكثر من ثلاثة أشهر في ظروف قاسية، عانينا خلالها من نقص الماء والطعام، خاصة الدقيق، إضافة إلى الخوف والرعب جراء الاستهدافات المتكررة والقصف الذي لم يترك مكانًا آمنًا."

وتتابع سامية حديثها: "كانت المدفعية والطائرات المسيّرة تطلق نيرانها على كل جسم متحرك. خرج زوجي مع ابني قبلي، لكنني لم أستطع المغادرة أنا وابنتي من شدة الخوف، إلا أن إصرار ابني الثاني أجبرنا على الخروج. لم نكن نعلم إلى أين نتجه، وكان المشهد مرعبًا، إذ استُشهد أمامي عدد من جيراننا، قتلهم جيش الاحتلال بدم بارد. توجهنا إلى منطقة الصناعة، حيث لجأنا إلى إحدى الغرف مع أحد الجيران، وتمكنت من الاتصال بزوجي، الذي وصل إلينا بصعوبة بالغة."

وتروي سامية لحظة مأساوية أخرى قائلة: "في يوم الأحد 21 أبريل/نيسان 2024، فقدت ابنتي جنينها بسبب الخوف والتنقل السريع والمشي لمسافات طويلة. لم نجد طبيبًا لمساعدتها، وبعد ساعات طويلة وجدنا طبيبة نازحة من حي الزيتون، ساعدتها وأوقفت النزيف. الحمد لله، كان بحوزتها بعض الأدوية التي قدمتها لابنتي، لكن الموقف كان مؤلمًا لا يمكن وصفه. كانت ابنتي تتمنى أن يحمل أحد أطفالها اسم زوجها، فهو أول من تزوج من بين إخوته الذين استُشهدوا جميعًا."

وتضيف سامية عن معاناتها مع النزوح المستمر: "تنقلنا بين مبنى الصناعة ومنزل أصدقاء لنا في المنطقة لمدة شهرين، لكن قصف الاحتلال العنيف أجبرنا على الخروج. لجأنا إلى منزل أخي في منطقة المشاهرة بالنفق، لكن صغر مساحته اضطرنا إلى النزوح مجددًا إلى بيت أقارب لنا في منطقة الجلاء خلال شهر مايو. تنقلنا عدة مرات بين الصناعة، والنفق، وشارع الجلاء، ثم حي التفاح، والساحة، والصناعة، والجلاء، والثلاثيني، لنعود أخيرًا إلى منزلنا يوم الجمعة 2 أغسطس/آب 2024. لكن فرحتنا لم تدم، إذ استُهدف المنزل بقذيفة حارقة، فأحرقته بالكامل، ورغم ذلك نظفناه وعدنا للعيش فيه، في انتظار تحسن الأوضاع وإجراء العمليات الجراحية لزوجي."