Please ensure Javascript is enabled for purposes of website accessibility
ar

حياتان متناقضتان

calendar_monthDate: 30/11/-0001

حياتان متناقضتان

حُفرت ليلة الثامن من فبراير/شباط 2024 في ذاكرة ليلى (43 عامًا)، ولن تغيب عن مخيلتها مهما تقادمت الأيام.
تقول ليلى:
"كنا نازحين في إحدى الشاليهات بالمنطقة الآمنة التي حددها جيش الاحتلال الإسرائيلي. وعند الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل، سمعنا إطلاق رصاص حي، تلاه أصوات دبابات وناقلات جند، ثم امتلأ المكان بالجنود وكلابهم، مطالبين بخروج الرجال إلى خارج الشاليه ورفع الأيدي، فيما طُلب من النساء التوجه إلى الساحة."

عمّ الذعر جميع من كانوا هناك، لكنهم تحاملوا على أنفسهم ونفذوا أوامر الجيش.
تتابع ليلى:
"أبقيت أطفالي بجواري، وكان ابني ذو الثلاث سنوات في حضني رغم أنني كنت أجلس القرفصاء. لكنني لم أرفع يدي كباقي النساء. فجاء جندي وصرخ في وجه ابني البالغ من العمر ثلاثة عشر عامًا، وانهال عليه بالشتائم، ثم كبّل يديه إلى الأمام، وجرّه إلى الخارج مع ابن خالته الذي كان في نفس عمره، وأجبرهما على نزع سترتهما الخارجية. شعر الصغير بذعر شديد، لكنه تحامل على نفسه رغم البرد القارس."

مع بزوغ الفجر، ساد صمت مفاجئ، لتكتشف النساء أن الجنود انسحبوا بعد أن اقتادوا جميع الرجال ممن تجاوزوا الثامنة عشرة من أعمارهم. تضيف ليلى:
"أصيبت زوجة أخي بعدما حاولت الدفاع عن ابنتها حينما ضربتها إحدى المجندات على وجهها. فهجم عليها كلب وأصابها في فكها، مما أدى إلى تورم شديد. كما علمنا لاحقًا أن أخي، وهو مريض بالقلب ويعاني من السمنة المفرطة، تعرض للضرب والتعنيف بعدما عجز عن الجلوس القرفصاء، ليُجبر بعنف على تنفيذ الأوامر قبل اقتياده مع الآخرين."

ذاقت ليلى ويلات الحرب بكل أشكالها: نزوحًا وأسرًا وفقدانًا. فإلى جانب أسر زوجها، اعتُقل أيضًا اثنان من إخوتها، وأزواج أخواتها، وابن أختها، واثنان آخران من أقاربها.

تحاول ليلى حبس دموعها وتقول بأسى:
"حياتان متناقضتان أعيشهما. بعد أن كان زوجي هو المسؤول الأول والوحيد عن إعالة الأسرة وتلبية احتياجات البيت والأولاد، انقلبت الحياة رأسًا على عقب، وأصبحتُ الأم والأب معًا، أتنقل بهم من مكان لآخر فرارًا من الموت."

تواصل ليلى رواية معاناتها:
"تركت المكان وتوجهت يوم الجمعة 9 فبراير/شباط 2024 إلى منطقة ميراج شمال مدينة رفح. وخلال وجودنا هناك، نفذ الاحتلال عملية لاسترجاع بعض أسراه وسط رفح، وسادت أنباء عن نية الجيش اجتياح المدينة. وبعد الذعر الذي عشناه في الشاليه، قررت النزوح مجددًا خشية أن يتم وضع نقاط تفتيش تعزل رفح عن المواصي، كما حدث لسكان شمال وادي غزة عندما اضطروا للمرور عبر الحواجز عند نتساريم. عدتُ إلى الشاليه وبقينا هناك أسبوعًا كاملاً، لكن مع تفاقم الوضع في خان يونس، قررتُ الانتقال إلى أرض أخ زوجي يوم الثلاثاء 20 فبراير/شباط 2024."

لم تتوقف معاناة ليلى عند النزوح المستمر وتحمل مسؤولية أمان أطفالها، بل امتدت إلى فقدان أحدهم. ففي ظهيرة يوم الثلاثاء 26 مارس/آذار 2024، اصطحب ابنها إسماعيل أخاه الصغير إلى النقطة الطبية لمعالجته من ارتفاع حرارته. عند عودته، أعاد الصغير إلى أمه، ثم غادر مع عمه، لكنه لم يبتعد كثيرًا قبل أن يسمع الجميع صوت إطلاق نار مفاجئ من طائرة "كواد كابتر" مسيّرة. ورغم أن المنطقة كانت مصنفة "آمنة" وفق خرائط الاحتلال، إلا أن المستهدف كان إسماعيل.

تقول ليلى بصوت يختنق بالحزن:
"نُقل إسماعيل إلى المشفى الأوروبي جنوب خان يونس على عربة يجرها حصان. وفي منتصف الطريق صادفوا سيارة إسعاف كانت تنقل جثثًا لضحايا قصف في مكان آخر. فأوقفوها، وأنزلوا الجثث على اعتبار أنهم موتى، ثم حملوا إسماعيل المصاب في رأسه على أمل إنقاذه."

استلمت حالته وفودٌ طبية متواجدة في مستشفى غزة الأوروبي، وحاول الأطباء إيقاف نزيف الدماغ بإجراء عمليتين جراحيتين.
"كانت عيناي تتنقلان بين وجهه الشاحب والأجهزة المحيطة به، لكن محاولات الأطباء باءت بالفشل، إذ تسببت الشظايا في تفتيت عظام الجمجمة."

في اليوم التالي، وقفت ليلى بجانب إسماعيل في غرفة العناية المركزة، ممسكة بيديه، وقالت:
"أخبرتُه أنني بجانبه، وأنه الشخص الذي ما إن يدخل البيت تدخل معه الحياة، وأنه قوي ومقبل على الدنيا. كان إسماعيل محبًا للرياضة، وحصل على معدل عالٍ في الثانوية العامة، والتحق بالجامعة الإسلامية لدراسة الهندسة، فلم أتوقع منه أن يستسلم للموت."

لكن في يوم الأربعاء 27 مارس/آذار 2024، أسلم إسماعيل الروح، رغم أن الأطباء حاولوا إبقاءه تحت التنويم لثلاثة أيام. لم تفلح توسلات ليلى للأطباء بإنعاشه، فقد كان أمر الله نافذًا.

حتى الموت والدفن باتا أمرًا شاقًا على أهل غزة.
"دُفن إسماعيل مؤقتًا في أرضٍ بجانب مستشفى غزة الأوروبي جنوبًا، بعد أن تبرع بها أحد المواطنين لدفن الشهداء، بسبب العملية العسكرية التي كان يشنها جيش الاحتلال الإسرائيلي على وسط مدينة خان يونس. وبعد انتهاء العملية العسكرية، تمكنت العائلة يوم الاثنين 22 يوليو/حزيران 2024 من نقل جثمانه إلى مقبرة العائلة."

تحتضن ليلى طفلها الصغير، يزن، بين يديها، وتغمض عينيها وكأنها تشم رائحة إسماعيل، متشبثة بذكرى عناقٍ بات وشيكًا أن يتلاشى من ذاكرتها.
"كم وددتُ لو أنني طويت صفحة إسماعيل برؤية وجهه للمرة الأخيرة قبل دفنه، لكن طلبي رُفض من قبل أعمامه خوفًا على مشاعري."

ويثقل قلبها همٌّ آخر: كيف ستخبر والده الأسير بوفاة ابنه الذي لم يتجاوز التاسعة عشرة من عمره؟ خاصةً وأنه يعيش ظروفًا قاسية في سجن "عتسيون"، حيث يُعامل كموقوف حتى نهاية الحرب دون حكمٍ قضائي.

تتابع ليلى:
"جميع المفرج عنهم من سجون الاحتلال يؤكدون أن أسرى غزة يعانون الجوع ونقص الغذاء، إذ يتقاسم أسيران بيضة واحدة في الصباح، أما الغداء فلا يتجاوز ملعقة أرز وأخرى من الطبيخ، والعشاء عبارة عن علبة لبن يتشاركها أسيران، فضلًا عن حملات القمع والتفتيش المفاجئة بمرافقة الكلاب البوليسية."

ابتلعت غصتها، وحاولت مقاومة دموعها التي غلبت صبرها، قبل أن تنساب كالشلال.
"موت إسماعيل وأسر والده كانا ضربة قاسية هزّت كياني، وأثقلتا الأيام علينا، فصرنا نحيا حياة ليست كالحياة."