الرضيع المحارب
حلمٌ ناقص
لم تكتمل فرحة رجاء بولادة طفلها كريم، الذي جاء إلى الدنيا يوم الجمعة 2 أغسطس/آب 2024، بعد تسع سنوات من الانتظار والمعاناة مع الإجهاض. كان حلماً طالما راودها، لكنه انتهى سريعاً قبل أن يخطو خطواته الأولى.
حملته في أحشائها بقلبٍ مريض، أصيب به وهو ما زال جنيناً نتيجة استنشاقها الفسفور السام الذي أطلقه الاحتلال، وفقاً لما أكده الأطباء، ورغم حاجته الماسة للعلاج، حال إغلاق معبر رفح دون سفره، ليُحكم عليه بالموت في حصار لا يرحم. كما أتى فجأة.. رحل فجأة، تاركاً والدته في دوامة من القهر والعجز، غير قادرة على حماية روحٍ وُلدت لتُزهَق قبل أن تنعم بالحياة.
رجاء، خريجة تحاليل طبية، تعمل في مختبر طبي بالقطاع الخاص، حيث تزف الأخبار السعيدة للنساء المنتظرات بفارغ الصبر لنتائج الحمل. لكن حياتها لم تكن سهلة، فبعد إنجابها لطفلها الأول، عمر (9 أعوام)، عجز الأطباء عن تفسير تأخرها في الحمل. ثماني سنوات قضتها بين العلاج والإجهاض ثلاث مرات، حتى جاء حملها الأخير الذي لم يُكتب له الفرح.
كان من المقرر أن تذهب إلى الطبيب في اليوم الذي اندلعت فيه الحرب، لكنها وجدت نفسها مضطرة للنزوح من منزلها في مدينة حمد، منذ السبت 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، إلى شارع جلال وسط خان يونس، بحثاً عن الأمان. لكن الاحتلال كان له رأي آخر، فصارت المدينة كلها تحت نيران القصف العشوائي والمكثف، دون اعتبار للكثافة السكانية أو الفارين من الموت.
وفي الأحد 3 ديسمبر/كانون الأول 2023، قصف جيش الاحتلال المنزل الملاصق لمكان نزوحها، فانهارت إحدى الغرف، واضطر الجميع للفرار إلى الشارع، ليحتموا تحت السماء المفتوحة. لم يكن أمام رجاء وعائلتها سوى الانتقال مجدداً إلى شرق السكة، هرباً من الموت. لكن القصف لم يهدأ، بل زاد شراسة، وبدأ الاحتلال باستخدام الفسفور الأبيض المحرم دولياً والقنابل الحارقة، فانتشرت سحب الدخان السامة برائحة خانقة. لم تفكر رجاء إلا بحماية طفلها عمر، فغطت أنفه وفمه بقطعة قماش مبللة، دون أن تدري أن الكارثة كانت تتسلل إلى أحشائها.
لم تكن على علم بحملها حينها، ولم تكتشفه إلا بالصدفة. في 10 ديسمبر/كانون الأول 2023، نزحت مجدداً إلى منطقة الفخاري جنوب خان يونس، حيث أمضت شهراً كاملاً وسط أربعين نازحاً. كانت الحياة هناك قاسية، فالغاز كان مقطوعاً، والمخابز مغلقة، واضطرت النساء إلى الطهي على النار والعجن اليدوي، وسط احتياجات لا تنتهي من الأطفال والجوعى. وبين كل هذا العناء، كان كريم ينمو داخلها، شاهداً على المعاناة قبل أن يفتح عينيه على عالمٍ لم يمنحه فرصة للحياة.
توجهت رجاء مع ذويها إلى مدينة رفح ونزحوا إليها يوم الأربعاء، الموافق 10/1/2024. ابتلعت غصة في حلقها وهي تقاوم دموعًا غلبت عينيها وانسالت بصمت. قالت: "راودتني مشاعر مختلطة عند علمي بحملي يوم الاثنين، 15/1/2024، بعد تأخره؛ مزيج من الفرح، والخوف، والقلق، والمصير المجهول. حتى عندما أخبرني الطبيب بأنه يعاني من توسع في عضلة القلب، كان يقيني أكبر بأنه سيحارب للبقاء معي".
وُلد كريم يوم الجمعة، 2/8/2024، وأُدخل الحضّانة فورًا. ففي مثل هذه الحالات، تُحوَّل الأم للولادة خارج قطاع غزة، أو يُسافر الطفل بعد الولادة لإجراء العملية خلال الأيام الخمسة الأولى من عمره كحد أقصى.
وبالفعل، جرى التنسيق مع إحدى المؤسسات الدولية المعنية بعلاج أطفال الأورام وأمراض القلب لتحويل الصغير للعلاج بالخارج، ولكن دون جدوى، إذ أغلق الاحتلال معبر رفح يوم الأحد، 5/5/2024، وحرم جميع أهل قطاع غزة من السفر، حتى الأطفال المرضى فقدوا أبسط حقوقهم في العلاج. ورغم أن بعض أطفال الأورام حصلوا على فرصة للعلاج بالخارج، وكانوا قلة، فإن كريم لم يحصل عليها.
"كان يحتاج إلى رعاية خاصة داخل الحضّانة، لكن المستشفيات رفضت مكوثه بسبب كثرة الحالات، فاضطررت إلى نقله من حضانة لأخرى، بدايةً من مستشفى ناصر، مرورًا بمستشفى الهلال الأحمر الفلسطيني، وأخيرًا المستشفى الكويتي الميداني، الذي طالبني بضرورة إخراجه بسبب ازدحام الحضانة".
"في إحدى المرات، اجتاح الاحتلال مدينة خان يونس وطالب بإخلائها. كان كريم يتواجد في حضّانة مستشفى الهلال الأحمر الفلسطيني، بينما كنا ننزح يوم الأحد، 11/8/2024، من وسط مدينة خان يونس، وكان من المقرر زيارتي له في اليوم نفسه.
مررنا بطريق المستشفى المؤدية إلى منطقة المواصي، فشعرت بلوعة وحرقة لأنني عاجزة عن الحصول على أبسط حقوقي وحقوق طفلي في الحياة والأمان. اضطررت إلى ترك قطعة من قلبي لأنه في المكان الآمن، في المنطقة السكنية الآمنة".
تضيف رجاء: "لم يرحموا ضعفي وضعف كريم، ولم يرحموا نزوحي به أكثر من مرة. في يوم الجمعة، 23/8/2024، نزحت إلى منزل أختي، وبعد ثلاثة أيام اشتد القصف في المنطقة، حيث شنّ جيش الاحتلال الإسرائيلي عملية عسكرية في مدينة خان يونس، وطالب بإخلاء المنطقة، فنزحت إلى منزل أختي الثانية يوم الاثنين، 26/8/2024. لم يكن المكان أكثر رفاهية، بل كانت من أصعب الأيام التي مرت علينا، فقد وصلت القذائف بالقرب منا، مما اضطرني مرغمة إلى النزوح إلى مواصي بلدة القرارة شمال غرب خان يونس يوم الخميس، 29/8/2024، حيث الرمال، والحشرات، والحرارة الشديدة داخل الخيمة".
لم تستطع رجاء تحمل الحياة في الخيمة، وزاد خوفها وقلقها على حالة رضيعها، فقررت العودة إلى مدينة حمد يوم الاثنين، 2/9/2024. وبعد عدة أيام، شعرت بأن ملامحه تغيرت، وازرقت بشرته، وبدأ شحوبه جليًا، فهرعت إلى مستشفى ناصر. قالت: "ضعفت مقاومته، وما زال أنينه يرنّ في أذني. أخبرني الطبيب أنه في حالة نزاع بعد تعرضه لعدوى الحمى الشوكية، مما أدى إلى كسل في الأمعاء".
تتنهد بحسرة، مستذكرة تفاصيل اليوم الأخير، وكأن الألم قد سكن أنفاسها. "كنت أراه يقاتل من أجل لقمة الحياة، طفلاً صلبًا لا ينحني رغم قسوة الظروف. ظننتُه بطلًا صغيرًا سيقاوم كل شيء، بدءًا من جبروت الاحتلال الذي يحرم الأطفال المرضى من السفر للعلاج، وصولًا إلى نقص الدواء وانعدام الرعاية الطبية في القطاع. لكن في ذلك الخميس الحزين، 19 سبتمبر/أيلول 2024، أغمض كريم عينيه للمرة الأخيرة، بهدوء يشبه براءة طفولته، تاركًا خلفه قسوة الاحتلال التي لا ترحم حتى الصغار".