Please ensure Javascript is enabled for purposes of website accessibility
ar

calendar_monthDate: 30/11/-0001

إعالةُ الأسرةِ همُّها

نادية (41 عامًا)، من بيت حانون شمال قطاع غزة، متزوجة من ابن عمها، وأم لولد وخمس بنات. منذ إصابة زوجها عام 2007 بمرض الفصام والاكتئاب الحاد، تحملت مسؤولية إعالة أسرتها وإدارة شؤون البيت، بعدما ابتعد زوجها عن الحياة العامة والاجتماعية، ولم يكن يطلب منها سوى السجائر.

تقول نادية:
"كان زوجي يعمل في مجال الخياطة في مصنع بالمنطقة الصناعية شمال القطاع، لكن بعد إغلاق معبر بيت حانون وانقطاعه عن العمل، ساءت حالته النفسية. صار يمسك بالسكين مهددًا بقتلي، ما اضطرنا للجوء إلى عيادة (الفالوجا) للأمراض النفسية في معسكر جباليا، وهناك شُخّصت حالته بالاكتئاب الحاد، وبدأ رحلة العلاج بإبر شهرية لتهدئة أعصابه".

عانت نادية كثيرًا من رجل عديم المسؤولية، ومن مجتمع لا يرى في المرأة سندًا، بل في "الولد الذكر". تقول:
"أصرت والدتي على إنجابي ولد ليكون سندًا لأبيه المريض وأخواته البنات، خصوصًا بعد أن تطلقتُ من زوجي لمدة سنة وثمانية أشهر. كان يزور بناته على باب البيت طالبًا الطعام. وخلال تلك الفترة، فقدت ابنتي كف يدها في حادث مأساوي عندما علقت يدها في ماكينة طحن الفلافل أثناء تنظيفها، فخسرت يدها بالكامل. عندها رضخت لضغط والدتي وإخوتي وعدتُ إليه، تحمّلته من أجل بناتي والمجتمع".

وفي اليوم الأول من حرب الإبادة في أكتوبر 2023، هدم الاحتلال الإسرائيلي منزل نادية، فزادت أعباؤها. نزحت إلى معسكر جباليا ومكثت شهرًا في مدرسة (حمد)، بينما كانت تترقب ولادة ابنتها. وفي ليلة دامية بتاريخ 19/11/2023، قصف الاحتلال منزلًا مجاورًا فاستشهد العشرات، وانتشر الهلع بين الناس الذين فرّوا جماعات نحو الجنوب. عندها قررت نادية النزوح إلى مخيم النصيرات سيرًا على الأقدام.

تقول:
"لم أخبر زوجي بخطوة النزوح خوفًا من أن أثقل كاهلي بمسؤوليته، فهو يحتاج دواءً شهريًا يهدئ أعصابه، إضافة إلى تكاليف سجائره التي لا أستطيع توفيرها. تركته لأهله بعدما أثقلت ظهري بمسؤوليته لأكثر من 16 عامًا".

لاحقًا، لجأت نادية إلى خان يونس مع شقيقها ومكثت في ملعب تابع لجمعية الهلال الأحمر بحي الأمل، ثم أُجبرت على النزوح إلى رفح حيث أقامت في مخيم البرازيل. ومع الاجتياح الإسرائيلي لرفح في مايو 2024، نصبت خيمتها يومين على الشاطئ، لكنها لم تتحمل قسوة الرمال والطقس، فعادت إلى خان يونس حيث استقرت في مخيم بجوار البلدية.

تقول نادية:
"لأن الحرب طالت، بنيتُ فرناً من الطين وبدأت أخبز للنساء مقابل أجرة، ويساعدني ابني وابنتي الصغيرة في جمع الأوراق والكراتين لإشعال النار. فمنذ مرض زوجي وأنا معتادة على إعالة أسرتي، من بيع الملابس المستعملة أمام البيت أو في الأسواق، وصناعة المهلبية والمثلجات البسيطة، بمساعدة بعض أهل الخير والمتبرعين، إضافة إلى ما كنت أتقاضاه من وزارة الشؤون الاجتماعية بسبب مرض زوجي".

اليوم، تحاول نادية بكل قوتها أن تبقى صامدة لأجل بناتها وابنها الوحيد. تقول:
"أنا أم لستة، منهم ابنتان تعانيان من ظروف صحية صعبة: إحداهما خريجة جامعة مصابة بتحدّب في القرنية وتحتاج إلى علاج عاجل في الخارج، وإلا ستفقد بصرها؛ والثانية فقدت كف يدها ولا علاج متاح في غزة لتركيب طرف صناعي. جميعهم يحتاجونني قويةً، فأبوهم مصدر خوف لا سند".

تختم نادية شهادتها قائلة:
"أعيش الآن في (مخيم الكرامة) بجوار بلدية خان يونس. لا أشتاق لزوجي، بل أشتاق لحياتي الهادئة. ورغم فقداني حنان الزوج وحنان الأب لأطفالي، ورغم صعوبة النزوح من مكان إلى آخر، إلا أنني راضية، فالحياة في بيت حانون مع زوجي المريض ستكون صعبة، لكنها على الأقل حياة أعرفها، وليست حياة التشرد".

#غزة #صوت_النساء #حكايات_الصمود