Please ensure Javascript is enabled for purposes of website accessibility
ar

"تركني وحيدة مع طفلتيّ"

calendar_monthDate: 30/11/-0001

تركني وحيدة مع طفلتيّ

 

ف خيمةٍ بالية تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، تجلس هدى (29 عامًا) مع طفلتيها ريماس (10 أعوام) وريتاج (6 أعوام). قبل سنوات، فقدت زوجها بسبب مرض السرطان، ليتركها وحيدةً تواجه قسوة الحياة ومسؤولية إعالة طفلتيها الصغيرتين.


تقول هدى بألم يعتصر قلبها: "أُصيب زوجي فجأةً بمرض السرطان. لم يكن يشتكي من أي مرض، وفي أحد الأيام بدأ يصرخ متألماً رقبتي رقبتي، أسرعنا به إلى مستشفى الرنتيسي للأورام في حي النصر غرب مدينة غزة. وبعد الفحوصات، تبيّن أنه مصاب بسرطان الغدة الدرقية".


تتابع هدى حديثها بحرقة: "بدأ زوجي رحلة العلاج وتلقى جرعات الكيماوي لمدة شهرين، لكن جسده لم يستجب للعلاج فحالته الصحية تدهورت بشكل كبير، وبدأ يفقد وزنه ويصبح أكثر ضعفاً يوماً بعد يوم. كنت أشعر بالعجز وأنا أراه يتراجع أمام عينيّ. عندما ساءت حالته أكثر، حاولت التقدم بطلبٍ لعلاجه في الخارج، لكن الحصار المفروض على غزة وتعقيد الإجراءات حال دون ذلك. وصلت التغطية المالية في وقتٍ متأخر، ولم يتحمل جسده المرض. رحل عنّا يوم الخميس 18/7/2019، وكانت ابنتي الصغرى ريتاج تبلغ من العمر ستة أشهر فقط. حُرمت من حنان أبيها مبكراً، ولم تنطق كلمة بابا أبداً".


وعن الظروف القاسية التي تعيشها اليوم، تتحدث هدى عن مآسي الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة وتقول: "نزحت من منزلي في الأسبوع الأول من الحرب، تحديدًا يوم الخميس 14/10/2023، عندما أصبح حي الزيتون، جنوب مدينة غزة، منطقة خطرة بسبب قربه من ما يسمى بمحور نيتساريم. تعرّض الحي لقصفٍ إسرائيلي مكثف استهدف المنازل والشوارع والمنشآت المدنية. كما تلقينا اتصالاتٍ من جيش الاحتلال تطالب بإخلاء المنطقة فورًا. في البداية، لم أكترث لهذه الاتصالات وقلت لنفسي: "ما سيحدث للناس سيحدث لنا، ورغم ذلك ومع اشتداد القصف، اضطررت لمغادرة منزلي بحثًا عن الأمان".


في كل كلمة تنطق بها هدى، تظهر معاناة امرأة واجهت خسائر كبيرة، لكنها ما زالت تقاوم من أجل البقاء، رغم كل الظروف التي تُحيط بها.


"لمّا اشتدت الحرب وزادت الخطورة، صار عليّ أن أواجه النزوح القسري، وكذلك أجبر جيشُ الاحتلال الإسرائيلي كل سكان الحارة على المغادرة، وأصبحت المنطقة خالية من السكان. فقررت النزوح وترك المكان، إذ إن مهمتي ليست سهلة أبداً في أن أكون الأب والأم في آنٍ واحد مع طفلتين في مثل هذه الظروف الحرجة. نزحنا إلى مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، ولم يسعفني الوقت ولا الوضع، فخرجت كما أنا مرتديةً زيّ الصلاة، ولم آخذ معي أي شيء سوى قطع قليلة من الملابس لبناتي، معتقدةً أن الأمر لن يستمر إلا ليومين أو ثلاثة على الأكثر، ثم نرجع إلى بيوتنا.


تضيف هدى: "في البداية، لجأتُ إلى منزل أختي في مدينة دير البلح، بالقرب من مستشفى شهداء الأقصى، لكنني لم أمكث هناك طويلاً بسبب تدهور الأوضاع الأمنية. وفي يوم الأحد 18 فبراير 2024، اضطررتُ للنزوح إلى خيمة صغيرة في منطقة الطيّارة بمدينة رفح جنوباً. لكن مع إعلان جيش الاحتلال عن اجتياحه البري لرفح، كان عليّ أن أنزح مجدداً، فانتقلتُ مع بناتي إلى قرية الزوايدة وسط القطاع يوم الأحد 14 مايو 2024.


شعرتُ بخوف شديد على حياة بناتي الصغيرات، فأنا امرأة وحيدة بلا معيل أو سند في هذه المحنة. بناتي هنّ كل ما أملك، ولا ذنب لهنّ في هذه الظروف القاسية، وكان لزاماً عليّ أن أحميهنّ من بطش وقسوة جيش الاحتلال الإسرائيلي".


تقيم هدى الآن في خيمة بمنطقة الزوايدة، حيث لا تقيها وأطفالها من قسوة البرد القارس في الشتاء، كما لم تحميهم سابقًا من لهيب الصيف. تزداد معاناتها مع شح المياه، فالمياه المتوفرة سيئة ومالحة.


تروي هدى بحزن عن وفاة زوجها قائلة: "رحل زوجي عن الدنيا وترك لي مسؤولية ثقيلة في سن صغيرة. كنت بحاجة إليه بجانبي، فإعالة طفلتين ليست بالأمر السهل، خاصة مع متطلباتهما المتزايدة. أبذل كل ما في وسعي لتأمين احتياجاتهما الأساسية من طعام وشراب وملبس، في ظل غياب أي كفالات أو دعم من الجمعيات الخيرية، عليّ أن أوفر لهما حياة كريمة بأي وسيلة ممكنة."


وتتابع: "بدأت ببيع مواد التنظيف كالمنظفات والصابون والمعطر ومسحوق الغسيل لنساء المخيم الذي أعيش فيه، بعد أن أحصل عليها من مصنع في خانيونس جنوب قطاع غزة. لكن هذه المهمة ليست سهلة، فأنا أتنقل وسط المخاطر، وأحيانًا يكون الموت أقرب إليّ مما أتصور. نجوت بأعجوبة من قصف الصواريخ الإسرائيلية التي تنهال على المناطق التي يزعم جيش الاحتلال أنها آمنة، وكأن الله كتب لي عمرًا جديدًا من أجل صغيرتيّ اللتين لا ذنب لهما فيما يجري. ألا يكفي أنهما فقدتا والدهما؟!"


" بذلتُ جهدي كي لا أمد يدي لأحد، خاصة أن أهل زوجي لا يزالون في شمال غزة، يعانون أشكالًا شتى من الذل والجوع، وليس لي معين سوى الله. لقد شعرتُ بقسوة الحرب هنا، حيث تزداد الظروف سوءًا يومًا بعد يوم، في ظل شحّ الطعام وارتفاع الأسعار. ربما كان الوضع في رفح أفضل نسبيًا من الناحية المعيشية، مع توفر المياه ووجود المراكز التي توزع الطعام، لكن الآن باتت الأوضاع أكثر صعوبة وتعقيدًا.


سَوّى الاحتلال الإسرائيلي منزل هدى بالأرض في غارة جوية خلال الشهر الأول من الحرب، فلم يترك له أثرًا. تحت الأنقاض دفنت ذكرياتها، ومعها تلاشى ما تبقى من حلم بالأمان والاستقرار. باتت الحرب في عينيها بلا نهاية، وحِملها الثقيل لا يزداد إلا وطأة، كأنه قدرٌ لا فكاك منه، يُطبق على صدرها دون أن يلوح في الأفق بصيص أمل