Please ensure Javascript is enabled for purposes of website accessibility
ar

ورقة شجر

calendar_monthDate: 30/11/-0001

ورقة شجر 


سُجلت هذه الشهادة ضمن لقاءٍ أجرته إحدى صحفيات "مركز شؤون المرأة" الفلسطيني مع فداء (اسم مستعار) في غزة بين سبتمبر/ أيلول ونوفمبر/ تشرين الثاني ٢٠٢٤ لصالح «وحدة رصد قضايا المرأة في المنطقة العربية» بواسطة «الشبكة العربية للمجتمع المدني النسوي».


قتل جيش الاحتلال الإسرائيلي زوج ابتسام ذات الـ32 عامًا، فوجدت نفسها وحيدةً تُعيل أطفالها الأربعة. لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد هُدم منزلها في شرق حي الشجاعية بمدينة غزة، لتبدأ رحلة نزوحٍ قسرية، انتهت بها وبأسرتها في خيمةٍ بالية ببلدة الزوايدة وسط القطاع.


كانت ترتدي إسدال صلاة أسود وتنظر بحزن عميق إلى أطفالها الذين يلعبون أمام خيمتهم. بدت عيناها الشاحبتان تعكسان ملامحها البريئة المغلفة بالألم. بدأت حديثها قائلة:

"كنت أعيش بأمانٍ مع زوجي وأطفالي الأربعة في منزلنا الكائن على الشريط الحدودي قرب جمعية الحق في الحياة شرق مدينة غزة. لكن الحرب الإسرائيلية التي لا ترحم، اقتلعتنا من جذورنا وأجبرتنا على التهجير القسري".


تروي ابتسام اللحظات الأولى وتقول: "نزحنا من بيتنا مع بدء العدوان الإسرائيلي على القطاع صباح السبت، السابع من أكتوبر 2023. خرجت حافية القدمين، مرتديةً إسدال الصلاة، وأطفالي بملابس المدرسة التي لم يخلعوها منذ لحظات، دون أن أحمل معي شيئًا".


في اليوم التالي، اشتدَّ القصف على حيِّ الشجاعية، فاضطُرت ابتسام وعائلتها إلى الانتقال إلى منطقة السامر وسط المدينة، حيث مكثوا في مقرٍّ تابعٍ لجمعيةٍ يعمل فيها والد زوجها. تقول: "بقينا هناك ثلاثة أيام، لكن تهديدًا بقصف مبنى مجاور أجبرنا على الإخلاء. كان الجميع يهرعون مذعورين: أطفال، ونساء، وكبار سن. كانت مشاهد الرعب حاضرة في كل وجه. اعتقدنا أننا لن ننجو، كان يومًا أشبه بيوم القيامة".


وتُضيف بصوتٍ يفيض بالأسى: "وجدنا مأوىً مؤقتًا في كراج، حيث قضينا الليل حتى طلوع الصباح. كان الجو قاسيًا، لكننا تشبثنا بالحياة".


صباح الثالث عشر من أكتوبر/تشرين الأول، انتقلت ابتسام مع أسرتها إلى حي تل الهوى جنوب غزة، حيث استأجرت منزلًا مؤقتًا، إلا أن جيش الاحتلال ألقت مناشير تطالب السكان بإخلاء المنطقة فورًا. تقول: "اضطررنا للنزوح مرة أخرى، وهذه المرة إلى منزل أخت زوجي في شارع العشرين بمخيم النصيرات وسط القطاع".


بينما تتحدث، تنعكس في ملامح ابتسام قصصٌ عن معاناةٍ لا تنتهي، لكنها رغم ذلك تُظهر صمودًا يُجسد حال مئات العائلات الفلسطينية التي أُجبرت على التخلي عن بيوتها، وتحمل في قلوبها أوجاع الفقد، مع بصيص أملٍ بغدٍ أفضل.


هناك بقيت ابتسام حتى يوم 28/12/2023. ومع بداية الاجتياح البري لمخيم البريج، نزحت إلى بلدة الزوايدة وأقامت في خيمة نصبتها العائلة هناك. عانت ابتسام في تلك الخيمة شقاءً كبيراً، توشّح بفقدٍ عظيم بعد استشهاد زوجها يوم 23/5/2024، عندما قرر العودة إلى غزة.


تقول ابتسام: "كم كان متعلقاً بالبيت وزراعته وأشجاره! كان يعشق أرضه ويستيقظ في الصباح الباكر ليتفقد أشجاره، ومن خلال أوراقها، كان يحدد ما إذا كانت تحتاج إلى علاج أم لا. حاولت إقناعه بعدم المجازفة والعودة إلى غزة، لكنه رفض؛ فقد أصبح غير قادر على تحمل الحال الصعب، وقلبه ظل متعلقاً بغزة".


وأضافت: "كان دائمًا يردد بحماسٍ لا ينطفئ أموت أموت بغزة، أريد أن أعود إليها،  وفي صباحٍ باكر، رحل بصمت دون أن يُخبر أحدًا، متشبثًا بحلمه في رؤية غزة مرة أخرى. لكن الحلم لم يكتمل. أصابته قذيفة مدفعية إسرائيلية في ظهره، فبترت قدمه وتركته ينزف وحيدًا لساعاتٍ طويلة، بلا مُسعف ولا منقذ، حتى ارتقى شهيدًا في وادي غزة.


حين وُجد، كانت يداه تحتضنان مسبحة، وفي جيبه عُقد صغير مغمور بدمه الطاهر، كان قد أعدّه هديةً لابنته الصغيرة، بتول. هدية لم تصل، لكنها ستبقى شاهدةً على قلبٍ أصرّ أن يعود إلى غزة، ولو بدمائه."


وتابعت: "في اليوم التالي، علمنا بخبر استشهاده يوم 24/5/2024. حاولنا جلب جثمانه، لكن كان من الصعب دخول أي شخص إلى غزة دون تنسيق رسمي من الجانب الإسرائيلي. سخّر لنا الله رجلاً أحضره لنا على عربة يجرّها حمار، لنودعه الوداع الأخير".


وأردفت: "صحيح أن سلمان لم يخبرني بأنه متوجه إلى غزة، لكنني كنت متأكدة بأنه سيفعلها، فهو عنيد جداً ويحب المدينة. كنت أشعر في داخلي بأنه لن يعود حياً، خاصة أنني سمعت أن جنود الاحتلال، لو رأوا كيسًا من النايلون يتحرك على الأرض، يطلقون النار عليه بلا شفقة أو رحمة".


واستطردت قائلة: "لقد أنقذه الله في المرة الأولى من موت حتمي عندما قُصف منزل جيران أخته، وأُصيب بشظية في رأسه خلف الأذن. ولكن الله أعطاه عمراً ليُستشهد بعد ذلك. سلمان كان الابن الوحيد لأهله بين ست بنات. الله يرحمه، كان زوجاً حنوناً وكريماً. ما أصعب الفراق! تركني لأعيل أربعة أطفال يحتاجونه بجانبهم. حسني (12 عاماً)، وعبد الله (8 أعوام)، ومحمد (6 أعوام)، وبتول (3 أعوام)".


"الغريب في الأمر أن أطفالي هم من أظهروا قوة ومسؤولية تفوق أعمارهم، كانوا هم من يصبرونني على ألم الفقدان والفراق. كلما انهارت دموعي، كان ابني الأوسط، محمد، يواسيني قائلاً: "بدّك تعذّبي بابا؟ بابا راح شهيد". وفي يوم سألني ببراءة مؤلمة: "ماما، الشجرة لما بتوقع منها ورقة، بنفع نلصقها؟" أجبته: "لا". فقال بحكمة الكبار: "وهو كمان، وقعت ورقته".


أما أكثر صورة عالقة في أذهانهم عن والدهم، فهي صورته وهو ملفوف بالكفن. حتى صغيرتي، بتول، عندما أحكي لها عن والدها وعن هداياه، لا تتذكر سوى تلك الصورة بالأبيض الملطخ بالدم، وتكرر دائماً ببراءة محطمة: "مش بابا نايم؟ متى بدّه يصحى؟".


كان زوج ابتسام يعمل موظفًا في السلطة الفلسطينية، لكن الراتب الذي تحصل عليه اليوم لا يكفي لتلبية احتياجات أسرتها سوى لستة أو سبعة أيام فقط، نتيجة الغلاء المتزايد بسبب الحرب على غزة. هذا الوضع يرهقها كثيرًا ويزيد من أعبائها ومسؤولياتها الثقيلة.


وتقول ابتسام: "هذه مسؤولية كبيرة تقع على عاتقي، إذ أعتني بأربعة أطفال وأتحمل تربيتهم وتوفير كافة احتياجاتهم، في ظل الحرب الإسرائيلية. المهمة صعبة للغاية، فأنا أقوم بدور الأب والأم في وقت واحد".


تتابع ابتسام بمرارة: "في يوم 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، بعد انتهاء الهدنة، قصف الاحتلال منزلي بالكامل. لم يكن بيتي كأي بيت آخر؛ كان أشبه بالجنة، مجهزًا بكل شيء من أثاث وأمتعة وملابس وأدوات منزلية. للأسف، لم يتبقَ له أي أثر، وفقدت معه كل ذكرياتي وأشيائي الجميلة".


تختم ابتسام شهادتها قائلة: "أعيش الآن مع أطفالي في خيمة مهترئة بالكاد تحمينا من برد الشتاء أو حرارة شمس الصيف. إنها حياة صعبة ومختلفة تمامًا عن حياتنا السابقة التي كانت جميلة، هادئة، مستقرة وآمنة في بيتنا الدافئ ومع وجود زوجي".

#الشبكة_العربية_للمجتمع_المدني_النسوي
 #غزة #نساء_تحت_النار #ورقة_شجر #ابتسام #حكايات_من_تحت_القصف #النكبة_المستمرة